الإعلام وقضايا المجتمع "نحو بناء اتجاهات بحثية عربية إعلامية جديدة"

المحرر: ، التاريخ2/4/2009
الإعلام وقضايا المجتمع "نحو بناء اتجاهات بحثية عربية إعلامية جديدة"

نحو بناء اتجاهات بحثية عربية إعلامية جديدة إزاء التقنيات المعاصرة

استجابة للملتقى الدولى حول البحث العلمى و و"تكنولوجيات الإعلام والاتصال"، وفيما يخص الإشكاليات التى يتعرض لها هذا الملتقى بمحاوره المختلفة، فإننا نعرض ورقة بحثية تدخل فى المحور الثانى المتضمن التفكير فى "تكنولوجيات" الإعلام والاتصال من زواية اتصالية وفى الشق الثانى منه تحديداً.

شهد تاريخ البشرية بمختلف عصوره تطورات متباينة على صعيد إنتاج التنقيات تبعاً لنوعيتها، وفوائدها، وأضرارها، وشيوع استخداماتها، وكل ذلك تبعاً لمستوى المعرفة والأنجاز والإبداع والأداء البشرى فى كل مرحلة من مراحل تطور البشر.

ولم تعد القضية الآن قبول هذة التقنية أو رفضها سواء أكانت تقنية اتصالية أوتقنية إنتاجية أخرى؛ فالتقنيات بمختلف مستوياتها واستخداماتها لم تنحسر يوماً بل كانت على الدوام تتغلغل فى البناء الاجتماعى وفى مختلف شرائح المجتمع.

القضية الآن تتعلق فى كيفية التوظيف الأمثل والترشيد الحسن لاستخدامات هذة التقنيات عامةً، وتقنيات الاتصال والإعلام خصوصاً.

إن هذة المرحلة التى تلت سقوط المنظومة الشيوعية أزالت الستار عن مكنونٍ تقنى عالى المستوى باستخداماته المختلفة؛ فمرحلتنا اليوم تتسم بثراء منقطع النظير لعدد ولنوعية هائلة من التقنيات والاستخدامات وحتى الاستخدامات المزدوجة للكثير من هذة التقنيات..

إن بعض الآثار السلبية لبعض استخدامات التقنيات المعاصرة يجب ألا تحجب عنا رؤية الغابة الكثيفة من الآثار الأيجابية التى تتعكس من جراء استخدامات العديد من هذة التقنيات.

إننا نعيش اليوم فى عالمين: الأول واقعى وهو يتضاءل شيئاً فشيئاً زمانياً والثانى عالم افتراضى تخيلى نعيش فيه معظم فترات أوقاتنا.

ومنذ مدة على سبيل المثال انتهت التجارب النهائية على ما يطلق عليه بالمنزل الإلكترونى الصغير، وعما قريب سيغدو جزءاً لا يتجزأ من العالم الذى نعيش فيه.

وغدا من البديهى القول إن تقنيات الاتصال المعاصرة أزالت كل الحواجز المكانية والزمانية إذ بات بمقدور أياً كان أن يرى ويتحدث وقتما يشاء وفى التوقيت والزمن الذى يراه، ولمن يشاء فى أى مكان كان.

ولكننا فى عالمنا العربى لا نزال ضمن حدود المستوى الأول للقائمين بالاتصال ولم تنح منحى للمستوى الثانى من العالمين فى المجال التقنى من مصممين ومخرجين وتقنيين وفنيين، وهولاء هم من يقدمون الصورة التى هى أبلغ بألف مرة مما تقدمه الكلمة مرة مما تقدمه الكلمة فى زماننا هذا وفى كل الأزمنة الغابرة.

ولا زال بحوثنا العربية الإعلامية التقنية فى طور العموميات غير المفيدة ولم نتقدم إلا بصورة محدودة فى مجال دراسة تقنيات إخراج وتقديم القوالب الصحفية المطبوعة، غير أن بحوثنا التقنية – المتعلقة بتأثيرات واستخدام التقنيات المعاصرة المختلفة فى إنتاج البرامج التليفزيونية على اختلاف أنواعها – لم تحظ بأية درجة اهتمام من قبل الباحثين العرب، وان تمت بعض هذة البحوث والدراسات فإنها تكون من بعض الباحثين القلة فى وطننا العربى.

إن الكثير من البحوث والدراسات العربية المتعلقة بتأثير المتغيرات التقنية المختلفة على طبيعة الإعداد والنقل و الإنتاج والتقديم والإحراج الإعلامى لا تزال تعانى من عدم الكفاءة: فالكثير من الباحثين يجرون هذة البحوث والدراسات دون ممارسة عملية لها، والبعض الأخر يجريها ويرغب فى إجرائها فى مرحلة الدكتوراه، ويكون غير مهتم بها فى مرحلة الماجستير، وكذا الأمر فيما يتعلق بالبحوث والدراسات التى تقدم ويتم تناولها فى الكثير من الدوريات العلمية العربية.

إن التقنيات الاتصالية والإعلامية كافة تشكل مجالاً رحباً للبحث والاستقصاء والتوصيف والتحليل والتفسير والاستنتاج، وتتيح الفرص والإمكانات أمام الباحثين والدراسين فى الإعلام للخروج عن نطاق النمطية والتقليد والكلاسيكية البحثية فى الإعلام.

غير أن المطلوب أولاً من أجل البناء السليم أن يتسم من يجريها بالكفاءة والاستمرارية البحثية، والممارسة العملية لها، والإلمام والشغف البحثى والعلمى بها، أو لأنهم فقط يريدون دخول هذا المجال ليس بدافع الرغبة أو بدون الكفاءة بها، وأن  تكون هذة البحوث والدراسات متخصصة ومتعمقة بتقنيات محددة غير عامة، وذلك لضبط متغيرات البحث للوصول إلى نتائج يمكن أن تعمم، ومقترحات يمكن أن تفيد، وقبل كل شىء أن تكون المشكلة البحثية المتناولة من قبل الباحثين محددة بدقة لا لبس فيها ولاغموض، ولعل ذلك لا يتأتى إلا بإتقان ما تقدم.

إن الدراسات الإعلامية العربية التى اهتمت بالتقنيات الإعلامية والاتصالية المعاصرة، وهى محدودة للغاية من حيث العناصر المشار إليها فيما سبق؛ اتسمت حيث مناهجها المستخدمة باعتمادها على منهج المسح فى غالبيتها، والبعض القليل منها اعتمد على منهج التحليل.

كما اعتمدت هذة البحوث فى مجملها على العديد من النظريات لعل أبرزها نظرية ثراء وسائل الإعلام Media Richness Theory، ونظرية انتشار المستحدثات Diffusion of Innovations Theory، ونظرية الاستخدامات والإشباعات Uses and Gratification، هناك بعض الرؤى الجديدة لاستخدام مداخل قديمة فى فهم الظواهر التكنولوجية الجديدة فى وسائل الإعلام مثل حراسة البوابة Keeping Gate- وسوسيولوجيا العمل الإخبارى Sociology of Social Cohesion والتى يمكن الاستفادة منها فى قراءة آثار تكنولوجيا الاتصال على الممارسات الإعلامية ومدخل أو مفهوم الوجود الآجتماعى Social Presence لمعرفة الخصائص المتنوعة لوسائل الإعلام المختلفة طبقاً للمعالم أو الملامح الاجتماعية الموروثة فى كل وسيلة تكنولوجية ونظرية الاعتماد المتبادل لمعرفة علاقة تبعية بين استخدام هذة الوسائل الجديدة، بين سعى مستخدميها لتحقيق أهداف محددة، ونظرية معالجة المعلومات الاجتماعية Social Information Processing Theory والتى ترى إن اتجاهات وسلوك الآخرين أكثر أهمية فى اختيار الوسائل التكنولوجية والإعلامية وتقييمها عن الصفات الموروثة، التى يستخلصها المستخدم من الوسيلة بنفسه؛ والكثير من النماذج النظرية لعل أبرزها وأحدثها نموذج القبول التقنى. 

كذلك أتاحت هذة التقنيات الجديدة أساليب وأدوات وطرق بحثية متعددة، غير أن أغلب بحوثنا العربية فى هذا المجال اتسمت بنمطية استخدام الأساليب والأدوات والطرق البحثية القديمة نسبياً، كالاستمارات والمقابلات المباشرة وغير المباشرة.

كما أن بحوثنا العربية فى هذا المجال عانت ولاتزال تعانى من ندرة فى البحوث الجمعية التعاونية، وهذا النوع من البحوث يتطلب فرقاً بحثية لإنجازالبحوث بطرق عصرية فعالة عصرية فعالة علمياً ومجتمعياً؛ كما يتطلب احتضاناً مؤسسياً لدعمه مادياً.

كذلك فإن المكتبة الإعلامية العربية فى هذا المجال البحثى تعانى من نقص حاد فى البحوث الكاملة والتى تتناول استخدام التقنيات المعاصرة ابتداء من مرحلة الإنتاج مروراً للعرض الإعلامى وصولاً لطبيعة تأثيراتها  على الشرائح الاجتماعية المستهدفة؛ و إن تم هذا النوع من البحوث فإنه لا يلاقى التشجيع والتقدير فى بداياته، بل يواجه بالكثيرمن الممانعات من قبل الكثير من الهيئات التعليمية فى جامعاتنا، إما بسبب عدم المعرفة أو بسبب رفض بروز الكفاءات المميزة إلى السطح مما يسهم حسب اعتقادهم بأنه سيقلل من ذواتهم متناسين بأن المجال يتسع للجميع، كما نلاحظ عياباً سبه كامل للتنسيق البحثى فى هذا المجال بين كليات الإعلام والحاسبات والفنون الجميلة على سبيل المثال لا الحصر.

وما أود قوله فى هذا المجال إن اندماج الكثير من التقنيات المعاصرة وتعدد وتشعب تخصصات استخداماتها أرخى بظلاله على حدود البحث العلمى الإعلامى، فقد بات البحث الإعلامى فى هذا المجال مطالباً اليوم أكثر من أى زمن مضى الغوص أكثر للاستفادة القصوى من التخصصات العلمية الصاعدة والمتطورة حديثاً ليستطيع مواكبة ما عكسته استخدامات هذة التقنيات من تأثيرات وطرق معاصرة على العملية الإعلامية والاتصالية برمتها.

فى هذا المجال البحثى بل حتى فى بحوث الإعلام قاطبة؛ وبات التركيز على الإحصاء وحسب يضعف من الفكر والتحليل والمناقشة والاستنتاجات والمقترحات البحثية العلمية الرصينة..

باختصار إن التقنيات المعاصرة كالكاميرات الرقمية بمختلف أنواعها و الحاسبات، ونظم التصميم الحاسبى D2- D3 المختلفة، وأجهزة جمع المعلومات وأجهزة البث المباشر والنقل عن بعد، وأجهزة العرض وأجهزة المونتاج والتقديم والإخراج المعاصرة وغيرها من التقنيات الإعلامية المتفرعة من التقنيات السابقة كلها تقنيات باتت تؤدى أدواراً تتجاوز بكثير المضامين المنطوقة، وهذا فى حد ذاته يشكل تحدياً غير مسبوق للباحثين والمختصين ولامهتمين فى العملية الإعلامية برمتها.

ولعل ذلك يعكس بجوهره حجم التحديات التى تواجهها، والتى ينبغى أن نتحرك بسرعة لاتخاذ بسرعة لاتخاذ عشرات خطوات إجرائية فى هذا المجال.

والنقاط الآتية تتمثل فى:
أولاً- المقدمة الاستهلالية.
ثانياً- البحوث الإعلامية العربية فى المجال التقنى.
ثالثاً- مرحلة ما بعد المفاهيم.
رابعاً- المناهج والإجراءات البحثية التى استخدمت فى هذة البحوث.
خامساً- الإطارات النظرية التى استخدمت فى هذة البحوث.
سادساً- الآفاق المستقبلية لهذة البحوث من منظور الأفق السائد.
سابعاً- آليات بناء الاتجاهات البحثية العربية الإعلامية الجديدة إزاء التقنيات المعاصرة.
 ثامناً- الخطوات الإجرائية المفترض اتخاذها لبناء اتجاهات بحثية عربية إعلامية جديدة إزاء لاتقنيات المعاصر.
تاسعاً- خلاصة ورؤية إزاء تكاملية التخصصات فى المجال التقنى.

كيف عكست مضامين الدراما التليفزيونية العربية أدوار كبار السن فى أعمالها؟
تغيرت طبيعة عمل وسائل الإعلام الجماهيرية من حيث المضامين والأشكال المقدمة من جهة ومن حيث التقنيات المستخدمة خلال العشرين سنة الأخيرة من جهة ثانية..

ولعل هذا التغير فى المضامين والأشكال البرامجية التليفزيونية هو الأبرز الذى طال عمل المؤسسات الإعلامية المختلفة بفعل التطور التقنى الذى طال خطوط الإنتاج البرامجية وخطوط نقل هذة المضامين وبأشكال متعددة..

وفى هذا السياق يلاحظ بروز ظاهرة القنوات  المتخصصة إلى السطح الأمر الذى إلى بروز ظاهرة القنوات المتخصصة بالدراما و أخرى بالرياضة وثالثة بالأطفال ورابعة بالأخبار وهكذا.

ونتيجة اتساع ساعات البث التليفزيونى بات المطلوب أكثر فأكثر ساعات إنتاج يجب أن تتم على مدار الساعة.

وإذ كانت الدراما التليفزيونية بشقيها (المسلسلات والأفلام) كانت تستحوذ على ساعات بث لا تقل عن (6) ساعات من (24) ساعة فى اليوم قبل بروز ظاهرة القنوات المتخصصة فإن الساعات التى باتت تستحوذها الدراما بعد بروز هذه الظاهرة بات مضاعفاً وخصوصاً فى القنوات العامة والقنوات المتخصصة بالدراما على السواء.

إلا أن سرعة إنجاز الأعمال الدرامية التليفزيونية فى منطقتنا العربية ما زالت تعانى من خلل فى الحبكة الدرامية  وفى تسليطها الضوء على المشكلات الحقيقية التى يعانى منها مجتمعنا العربى.

إن الدراما التليفزيونية الوعاء الحامل لثقافة الشعوب، بها تنحو الأمم مسارات حسنة أو مسارات غثة فهى الثقافة الحية التى تمزج بين ثقافات الأمم وتنمو وتترعرع وتزدهر، وتعكس جوانب مختلفة من حياة الشعوب؛ ولعل ذلك لا يتأتى إلا بالناقل (وسائل الإعلام) الجماهيرية المختلفة؛ غير أن الدراما تزداد وترتفع جودتها بثلاثة عناصر تتمثل فى: (السيناريو – والممثلين – والإخراج)؛ وهذا لا ينضج إلا بعكس كل أفراد الأسرة ومن مختلف المستويات الأقتصادية والاجتماعية..

فالتناغم ما بين السيناريو وارتقاء أداء الممثلين وجودة الإخراج هو الأمر الذى يحدث التأثيرات المعرفية والوجدانية وحتى السلوكية؛ فتصور الأثر الذى تحدثه لقطات بعيدة ومتوسطة وقريبة متتالية لرجل على شاطىء البحر مأخوذة من يخت فى البحر، والأثر الذى تحدثه لقطات متتابعة لشخص يغرق، وآخرون ينقذونه من الغرق فى البحر، والأثر الذى تحدثه لقطات متتابعة لشخص يغرق، وآخرون ينقذونه من الغرق فى البحر، وهذة اللقطات مأخذوة من ارتفاع مواز للماء بحيث تكاد الأمواج المتلاطمة تدخل عدسة الكاميرا؛ بمعنى آخر فإن الإبداع الفنى تبعاً لنوع اللقطة ونوع الحركة وانغماس الممثل وتقصه الكامل للشخصية يسهم بلا ريب فى إحداث تأثيرات لا يمكن التنبؤ بأبعادها ودلالتها بسهولة على مستوى الجمهور العام.

إن الدراما صناعة لم تعد غايتها الإمتاع والمؤانسة وحسب بل إحداث تأثيرات وقناعات لدى الجمهور تتجاوز بكثير الكثير من التأثيرات التى تحدثها القوالب والأشكال الفنية والإعلامية الأخرى.

وعند حديثنا عن الدراما العربية فإن نظرتنا لابد لها وأن تأخذ ثلاثة أبعاد رئيسية فيما يتعلق بالعمل الدرامى وهى: النوع (كوميدى- تراجيدى- رومانسى- خليط) والشخصية التى تؤدى الأدوار المناطة بها، والحبكة الدرامية لعلاقات الشخوص فيما بينهم، ويضاف إليها غايات العمل وأهدافه والمعارف والاتجاهات والسلوكيات المتوقع إحداثها عند الجمهور المستهدف.

فعندما نتحدث عن الحبكة الدرامية نقصد هنا الحبكة الدرامية للمواضيع الاجتماعية وليس للحبكة الدرامية ذات المواضيع التاريخية والدينية.

 وعلى الضفة الأخرى للنهر يوجد هناك العديد والعديد من الأعمال الدرامية الاجتماعية العربية الناجحة إذ حاولت هذة الأعمال تسليط الضوء على كامل عناصر الأسرة فى مجتمعنا بصورة متوازنة وتوزيع الأدوار الرئيسية والفرعية على كبار السن كرجال وكنساء وعلى الشباب والشابات وعلى الأطفال وعلى العلاقات الاجتماعية الموجودة بين أفراد الأسرة وأفراد الأسر الأخرى المحيطين بأفراد الأسر التى يدور فى فلكها العمل الدرامى.

وبشكل عام لم تكن صورة المجتمع العربى التى عكستها الكثير من الأعمال الدرامية العربية بالشكل المرضى من حيث القيم التى حملتها.

بالرغم من وجود العديد من الأعمال الدرامية التليفزيونية العربية التى حملت قيماً إيجابية حاولت تعزيزها أو احلالها محل قيم سلبية سائدة وخصوصاً فى التعامل مع كبار السن داخل أسرنا ومجتمعنا العربى.

إن الدراما العربية قطعت خطوات واسعة نحوالإتقان الأسلوبى والفنى والغايات التى تسعى إلى تحقيقها.

فى المقابل فإن هناك الكثير من الدراسات الإعلامية التى تناولت مضامين وأشكال الأعمال الدرامية العربية التى عنيت بمعظم شرائح المجتمع كالشباب والأطفال والرجال والمرأة؛ غير أن الدراسات العربية التى عنيت بمضامين الدراما رغم وجود العديد من الأعمال الدرامية العربية التى عكست أدوراً رئيسية وأخرى فرعية لكبار السن؛ وعلينا الإشارة هنا إلى الفنانة الراحلة (فردوس محمد فهمى) إذ يعتبرها الكثير من النقاد أروع من أدت نموذج لدور الأم والجدة على الشاشة إذ كانت تعيش الشخصية ولا تمثلها.

لقد تميزت الكثير من الأعمال الدرامية التليفزيونية العربية فى تسليطها الضوء على موقع الكثير من كبار السن كالجدود والجدات والأمهات والآباء كبار السن داخل الكثير من نماذج الأسر العربية، وبالتحديد ضمن ثلاثة مستويات اقيصادية اجتماعية رئيسية تتمثل فى:

1-الأسر ذات المستويات الافتصادية الاجتماعية المحدودة؛ ومن نماذج هذه الأعمال الدرامية مسلسل " الليل وآخره" والذى لعبت فيه (هدى سلطان) دور (أنيسة) وهى أم صعيدية وكبيرة فى السن، تبدأ من السبعين تقريباً وحتى الـ(85) وهى نموذج للأم التى تحتضن أولادها وتكن محبة خاصة لابنها الأكبر (رحيم) الذى ساند والده فى رحلة كفاحه فى طلب الرزق وصعاب الحياة؛ ومسلسل "حد السكين" إنتاج ناهد فريد شوقى ابنه الفنانة هدى سلطان؛ والذى لعبت فيه هدى سلطان أيضاً دور أم لم تلد، ولكن الظروف وضعتها فى موقف جعلها تمارس الأمومة بطريقة مختلفة؛ وبذات السياق فقد أدت الفنانة (منى واصف) الكثير من أدوار الأمومة والجدة فى أسر متوسطة الدخل؛ كما أدى الفنان (عبد المنعم مدبولى) الكثير من أدوار الجد الطاعن فى السن، وكذلك الأب كبير السن؛ كما أدى الفنان (دريم لحام) العديد من أدوار كبيرى السن كأب وكجد لبعض شخصيات العديد من الأعمال الدرامية وكذلك أدوار الفنان (أمينة رزق) فى كثير من الأعمال الدرامية والتى لعبت أدوار كبار السن وفى غالب الأحيان، كانت تمثل أسراً ذات مستويات اقتصادية اجتماعية محدودة؛ وغالباً ما كانت أم عطوفة وتأمر أبناءها بالإحسان والصدق عدا بعض الأدوار الأخرى التى اتسمت بالشدة والصرامة والحزم فى تعاملها مع أبنائها.

2-الأسر ذات المستويات الاقتصادية الاجتماعية المتوسطة؛ ومن نماذج هذه الأعمال الدرامية مسلسل (ليالى الحلمية) إذ لعبت فيه الفنانة (هدى سلطان) دور الأم للفنان (يحيى الفخرانى) وقدمت نموذجاً من التعامل النموذجى لعلاقة الأم بولدها والتى تعطى بدون مقابل.
3-الأسر ذات المستويات الاقتصادية الاجتماعية المرتفعة؛ ومن نماذج هذه الأعمال الدرامية أدوار الفنانة (منى واصف) التى أدت أدوار  الأم والجدة فى الكثير من المسلسلات والأعمال الدرامية؛ كما أدى الفنان (محمود ياسين) أدوار الرجل كبير السن الذى يتحكم بكل تفاصيل أسرته ويسيرها كيفما يشاء، مثل مسلسل (العصيان) وذلك من خلال نفوذ المال والسلطة.

وبناء على معطيات الكثير من الأعمال الدرامية العربية نلاحظ أن طرق وأساليب تعامل أفراد المجتمع مع كبار السن تباينت من عمل لعمل فتارة نلاحظ الحب والعطف والاحترام والتقدير وتارةً أخرى كنا نرى طرقاً وأساليب لا تتفق وقيمنا ومعتقداتنا الدينية، فكنا نرى أدوار بعض الشخصيات التى لاتكن إلا الكره وعدم الاحترام والتعالى وحتى الاشمئزاز وإرسال كبار السن إلى مأوى العجزة ورفض إسكانهم فى المنزل تبعاً لرأى زوجة الولد، وعدم زياتهم فى هذه المأوى من قبل المقربين كالأبناء على عكس أدوار  بعض البنات فى هذة الأعمال.

كما كان تمثيل كل من المرأة والرجل ككبار سن شائعاً فى الدراما العربية من حيث الأدوار التى اضطلعاً بها؛ غير أن مؤشر تمثيل متغير النوع من الأعمال الدرامية العربية لكبار السن كان يميل فى غالب الأحيان لصالح المرأة كأم وكجدة إذ كانت تستحوذ على نسبة مشاهد داخل العمل تفوق بكثير تلك النسبة التى تستحوذها فئة الرجال ككبار سن  داخل الكثير من الأعمال الدرامية.

كما برزت تعاملات الدراما مع كبار السن فى أدوار فرعية وبنسبة كبيرة تجاوزت تلك الأدوار التى تؤدى فيها الشخصيات كبار السن دور البطولة أو الأدوارالرئيسية فى الكثير من الأعمال الدرامية فعلى سبيل المثال فقد عملت الفنانة  هدى سلطان فى فيلم "بحبك وهتجوزك" كضيفة شرف؛ ولعبت الفنانة (هدى) فى هذا الفيلم دور "الجدة" للفنانة (منى زكى)؛ ولا يمكن لنا أن نقيس أو نقارن الأدوار الفرعية التى أدتها هذة الفنانة كبيرة السن بأدوارها الرئيسية ككبيرة فى السن خلال مسيرتها الفنية حتى الآن.

فى المقابل فإن الكثير من الأدوار الفرعية قد تصبح أدواراً بطولية  وكل ذلك تبعاً لإحساس الفنان واتقانه وتجسيده للشخصية التى يؤدى دورها ونموذج على ذلك ظهور الفنانة (هدى سلطان) كضيف شرف فى فيمل "الغريب" للمخرجة (إنعام محمد على) إذ أدت فيه مشهداً واحداً لشخصية أم الفدائيين وحين يعرض على التليفزيون يقول الكثير من المشاهدين أن هذا الفيلم بطولة (هدى سلطان) بمعنى آخر تأثير الأداء ولو كان للحظات يسهم فى تعزيز قيم معينة أو حتى إحداث قيم بعينها وتحول الفنان ممثل هذه الشخصية إلى دور البطولة عندما يكون أداؤه مقنعاً خصوصاً إن كان تراجيدياً.

عموماً فالفنانة هدى سلطان باتت منذ ما يزيد عن (10) سنوات تلعب أدوار الأم والجدة وهى أدوار لا تتسم بالنمطية إذ تحمل معانٍ ودلالات جديدة فى شخصيتها ومواقفها.

ومن بين الأعمال الأخرى والتى تضمنت أدواراً فرعية لكبار السن (العصفورة السعيدة) و(صانع المطر) للفنان دريم لحام، وأيضاً (عودة غوار)، ودور (أبو صياح) للفنان (رفيق السبيعى) فى مسلسل (أيام شامية) وفى مسلسل (آخر أيام التوت)، وفى مسلسل (ليالى الصالحية)، وأدوار الفنان الراحل (نهاد قلعى) والتى تضمنت أدوار كبار السن كموجهين ومثقفين داخل أحياء دمشق؛ وأدوار الفنان (عبد الرحمن آل رشى).

ويلاحظ من النماذج التى سقناها فيما سبق من أن أدوار كبار السن كانت تميل نسبياً لصالح كونها فرعية أو ثانوية بالمقارنة مع الأدوار الرئيسية للكثير من الأعمال الدرامية التليفزيونية العربية؛ ولكن إن أخذناها من حيث مقدار تأثيرها وفعاليتها نجدها أوقع من الكثير من الأدوار الرئيسية رغم الفارق الزمنى المستحوذ كمشاهد بين الدورين الفرعى والرئيسى؛ وهذا ما يؤكد وجهة نظر نظرنا الخاصة بمهارة الممثل وأدائه فالممثل كبير السن يستطيع تأدية دور فرعى أو ثانوى أو كضيف شرف بزمن محدود، ولكن تأثيره يكون أبلغ وأعمق من الأدوار الرئيسية التى يؤديها الكثير من الفنانين أو الفنانات صغار السن.

 وفى وقفة على مؤشرات القيم المنعكسة لكبار السن من مضامين الأعمال الدرامية العربية المختلفة (كمسلسلات وأفلام) نجد قائمة طويلة من القيم الإيجابية وأخرى سلبية وثالثة مختلطة تجمع بين كلا النوعين من القيم..

وفى نظرة عامة على العديد من الأعمال الدرامية نجد الكثير من القيم المتباينة حيناً داخل العمل الواحد والمتسقة فى أحيان أخرى داخل العمل الواحد أيضاً.

فعلى سبيل المثال لعبت لافنانة (هدى سلطان) دور الأم لاقاسية أو الحازمة أو القوية فى شخصية (فاطمة) فى مسلسل (الوتد) وكانت تمثل نموذجاً للقوة والسطوة والحزم فى تعاملها وعلاقتها  مع أبنائها.

كما قامت الفنانة الراحلة سعاد حسنى سندريلا الشاشة بأدوار متعددة فى أعمالها الفنية ومنها الأم والجدة؛ وقد حملت فى أدوارها الكثير من القيم الحسنة والقيم السيئة؛ فرغم أن أعمالها تجاوزت المئة إلا أن أدوارها التى حملت قيماً إيجابية كانت أكثر بكثير من تلك القيم السلبية التى حملتها تبعاً للعديد من النقاد.

كما قام الفنانان الأردنيان (جميل عواد)، و (محمد أبو غريب) بأدوار متعددة تمثل كبار السن كآباء وكجدود.

 ومن المسلسلات القروية مسلسل (السدرة) والذى يتضمن الكثير من الأدوار الفرعية لكبار السن؛ وكذلك مسلسل (الجذور الطيبة) وهما عملان أردنيان؛ وقد حملا فى مضامين مشاهدهما الكثير من القيم الإيجابية والكثير من القيم الحسنة؛ ولكننا نود الأشارة هنا إلى قضية مفادها  أنه ليس المهم أن ننهى العمل بانتصار القيم الإيجابية على القيم الإيجابية على القيم السلبية، ولكن علينا النظر إلى تكرار الكثير من المعانى والدلالات السلبية خلال مشاهد العمل أقصد هنا زمنياً بالمقارنة مع المعانى والدلالات السلبية خلال مشاهد العمل أقصد هنا زمنياً بالمقارنة مع المعانى والدلالات الأيجابية يحدث تأثيراً كبيراً ولا يكتفى على سبيل المثال بأن ننهى العمل بانتصار الحق على الشر فتأثيرات ذلك صحيح أنها حسنة ولكن تأثيرات تتالى المشاهد التى تعكس قيماً سلبية طيلة حلقات المسلسل تؤثر فى الكثير من المشاهدين.

كما لوحظ من خلال الكثير من المعطيات التى تمدنا بها مشاهد العديد من الأعمال الدرامية لاعربية قد عكست أدوار كبار السن بما يتوافق والواقع الحقيقى المعاش لجزء من هذة الشريحة، والتى لا تمثل الواقع المعاش بدقة فقد قدمت الكثير من الأعمال الدرامية الواقع المعاش لحالات استثنائية لبعض ما يعانيه بعض كبار السن، ولكن هذه الأعمال لم تقدم الصورة الحقيقية والكاملة لكبار السن فى مجتمعنا العربى من حيث اتسامها بالغالب بالحنان والعطف والحب الذى يقابل به كبار السن من أفراد الأسرة وتقبل نصائح وتوجيهات الأم والجدة فى الكثير من أسرنا؛ إن الدراما التليفزيونية العربية لم تقدم فى الحقيقة فى الكثير من جوانب أعمالها صورة حقيقية بل اتسمت الصورة المقدمة من واقع غير واقعنا وبرؤية تخيلية مفترضة فى الكثير من الأحيان وقد اتسمت معيشة كبار السن فى غالب أعمالنا الدرامية إما إنهم يعيشون تحت خط الفقر بكثير وإما أنهم يعيشون فى فيلات وقصور، وكانت الصورة المنعكسة إما تتسم بالإيجابية المطلقة  وإما تتسم بالسلبية المطلقة، وكأنه لا يوجد خطوط رمادية بين؛ فالواقع فيه الحلو وفيه المر، وهو يجمع مع ما بين الصورتين ولا يمكن أن تكون الصوة حدية كما تعكسها الكثير من الأعمال الدرامية العربية.

وعلى جانب آخر فإن النجاح الذى حالف بعض الأعمال الدرامية الاجتماعية لا يقاس بنجاح الأعمال الدرامية  الدينية والتاريخية بأية صورة من الصور؛ إذ لم يوظف كتاب الدراما التليفزيونية الاجتماعية العربية ومخرجوها وممثلوها من مواءمة البعد الدينى مع البعد المعاصر إذ نلاحظ أن الكثير من الخطوط الدرامية التى تربط علاقة الشخصيات مع بعضها البعض كانت فيما مضى تتسم باعتمادها بصورة كبيرة على البعد الدينى غير أننا منذ قرابة عشر سنوات بتنا نلاحظ طغيان البعد المعاصر على مسارات علاقة شخوص العمل الدرامى من حيث البيئة المحيطة والأفكار وتفاعل وتعامل هذه الشخوص فيما بينها.

إذ نلاحظ أن المواءمة بين البعدين الدينى والمعاصر بين شخوص العمل لم تعد متوازنة فهى إما ذات بعد دينى وإما ذات بعد معاصر بعيداً عن سمات مجتمعنا..

غير أن أدوار كبار السن لاتزال بمعظمها تدور فى فلك البعد الدينى من حيث المواعظ وتوجيه النصح والإرشاد، ولم تخرج الأعمال الدرامية عن هذه القاعدة عدا البعض القليل والتى بدأت منذ فترة قصيرة فى أعمالنا الدرامية..

وفى هذا السياق فإننا نشير إلى قضية فى غاية الأهمية تتمثل فى الأعمال الدرامية التى تقدم خلال شهر رمضان الكريم؛ إذ نلاحظ الإقبال الجماهيرى الواسع على هذه الأعمال وعلى مختلف شخصيات العمل الأمر الذى يتطلب وقفة تأمل من قبل الدراما التليفزيونية العربية؛ فالتاثير الدرامى يحدث أبلغ التأثير نتيجة كثافة المشاهدة وساعات البث غير القصيرة التى تعطى للدراما خلال هذا الشهر وبمختلف قنواتنا الأرضية والفضائية..

ولو قمنا بحصر للأعمال  الدرامية العربية التى تقدم أدواراً فرعية وأخرى رئيسية لكبار السن لوجدناها كثيرة خلال شهر رمضان كمسلسل (السيرة الهلالية)، ومسلسل (سامحونى مكانش قصدى) لإلهام شاهين وممدوح عبد العليم؛ والأعمال التى ذكرناها فيما سبق..

باختصار إن الدراما التليفزيونية العربية قدمت كلا الصورتين الإيجابية والسلبية التى عكستهما العديد من الأعمال الدرامية العربية عن كبار لاسن، ولكن الوقوف وراء منافعها وأضرارها على الأنساق الثقافية والاجتماعية لأسر مجتمعنا العربى نستطيع أن نركها من خلال تحليل مضامين مشاهد بعض الأعمال الدرامية لتبيان  ما تعكسه الأعمال الدرامية العربية عن كبار السن؛ ولكننا بتوصيف عام نستطيع أن نستخلص الكثير من المنافع والأضرار المعرفية وفى الآتجاهات والسلوكيات.


ولعل أبرزها ووفقاً للعديد من النقاد إن الأعمال الدرامية العربية الاجتماعية بصورة عامة نقلت الحالات الشاذة من القضايا الاجتماعية السلبية محاولة تقديم سبل العلاج وما ينبغى اتخاذه من اتجاهات حيالها، ولكن تضحيم بعض الظواهر قدم على الجانب الآخر طرقاً وأساليب متعددة لتعامل بعض الأسر مع كبار السن كأن ينقلونهم  إلى مأوى للعجزة؛ وفى هذا مؤتمر مؤشر على إحلال ثقافة الغرب محل ثقافتنا العربية الإسلامية والتى تدعو إلى إكرام الكبار والإحسان إليهم والعطف عليهم وتلبية طلباتهم ورغباتهم..

وعندما نقول الفكرة السابقة فهى من باب لفت الانتباه على صورة التمسك بقيمنا وأخلاقنا السمحة وعدم السماح بإحلال ثقافة مادية مكانها فالثقافة المادية بدأت تأخذ مساراتها المتعددة فى مجتمعاتنا، وينبغى الحذر والدقة فى التعامل معها وعدم أخذها على هناتها كاملةً.

إن أعمالنا الدرامية الاجتماعية ينبغى أن ترتقى أسلوباً وشكلاً وأن تستفيد من كنوز تراثنا العربى والإسلامى فى التعامل مع كبارالسن، ولكن بدون الارتقاء بالأساليب فإن هناك الكثير من الأعمال الدرامية الأجنبية بدأت تتغلغل خلال ساعات بث قنواتنا من خلال الترجمة أوالدبلجة.

إن مسئوليات أعمالنا الدرامية تزداد يوماً بعد يوم وتتطلب المزيد من براءة من قبل كتابنا وممثلينا ونقادنا فى الحفاظ على ثقافتنا وكنوزها.

نكتفى اخيراً بالقول إن أعمالنا الدرامية الاجتماعية العربية بدأت تخطو خطوات واسعة نحو الإتقان رغم وجود بعض الأعمال التى لم تصل إلى المستوى المطلوب، وتم عرضها فى الكثير من قنواتنا العربية..
إن ما عكسته أعمالنا الدرامية العربية من قيم وأدوار لكبار السن بصورة إجمالية وعامة هو حسن ولكن ليس بالصورة التى نطمح إليها بعد.