يقدر الإعلامي العربي الكبير "جهاد الخازن"، أن أي محطة فضائية إخبارية تتكلف فى المتوسط ما بين 100 إلى 150 مليون دولار سنوياً، فيما لا تستطيع أهم المحطات الموجودة حالياً تحقيق عائدات إعلانية تتجاوز 20 مليون دولار في أحسن الأحوال، وهو ما أعاق تجربة الحياة LBC ، واقتصارها على فترة بث محدودة .
وتساءل "الخازن" عن كيفية تطور الإعلام العربي، إذا كان مجمل الدخل الإعلاني العربي لا يتجاوز حتى اليوم دخل صحيفة غربية واحدة كـ"نيويورك تايمز"، ويعيد نقيب الصحفيين المصريين "مكرم محمد أحمد" أسباب ذلك إلى خلل بنيوي في المجتمعات العربية، سببه غياب الطبقة الوسطى، بسبب سياسات الأنظمة العربية طيلة العقود الماضية .
فيما يرى الباحث المصري "محمد السيد سعيد"، أن "سوق الإعلام العربية لا تزال تابعة للدولة بامتياز، وتعبر أساساً عن نشاط رأس المال السياسي»، فاقتصاد السوق ضعيف لدرجة تجعل الكعكة الإعلانية من الصغر، بحيث لا تكفي سوى عدد قليل جداً من المؤسسات الإعلامية الموجودة، وأغلب المؤسسات التليفزيونية الفضائية لا تستطيع البقاء دون مدها بدعم مالي من مؤسسات أو هيئات أو أسر سياسية" .
وبالتالي فإن هذه المؤسسات لا تستطيع أن تستثمر بدون أن تكون لها علاقة وثيقة مع الدولة والهيئات العامة، سواء من حيث رأس المال المدفوع وشكل الملكية، أو الضمانات الأساسية لدورة رأس المال، وبصفة خاصة الدخل المتحصل من التوزيع والإعلانات، وهذا الارتباط ما أدى إلى "تكبيل استقلالية الخطاب الإعلامي على الشكل الذي يتبدى اليوم بصورة فجة للغاية" .
نبوءة "هيرست" !!
وقد تنبأ الصحفي البريطاني "ديفيد هيرست" مبكراً، بأن انتشار الفضائيات العربية الخاصة لن يساهم في إحداث التغيير المرتجى بالانعتاق والتحرر من سيطرة الحكومات، ويقول في دراسة له بعنوان : "قطر تصف الجزيرة بالقناة الفضائية العربية التي أحدثت الصدمة"، وهى الدراسة التى نشرها في العام 2001 في صحيفة "لوموند ديبلوماتيك" :
"ليس هناك جديد بعد إنشاء قنوات فضائية عربية جديدة مثل الجزيرة، في وضع العالم العربي الذي يتسم بالاضطراب ... فمع اتساع قاعدة وسائل الإعلام المحلية، التي تتسم بقدر هائل من الخواء، والتي تسيطر عليها الحكومات أو تؤثر فيها، فإن على كل حكومة أن تقوم الآن بإنشاء منفذ إعلامي عربي يتحدث باسمها، ولكن على الرغم من أن الفضاء مفتوح في العالم العربي، وأن الوسائط الحديثة ليس لديها حدود من الناحية التقنية، فإن ما يعرضه الإعلام العربي لم يتغير سوى بقدر محدود، إذ لا تزال الدعاية القديمة نفسها موجودة في كل مادة إخبارية يتم طرحها" .
رؤية "هيرست" بأن الحكومات العربية ستسعى إلى إقامة منافذ فضائية تحت مسميات مختلفة تحققت في السنوات القليلة التي تلت كتابة مقاله، والسبب الرئيس كان الصداع الذي تسببت به "الجزيرة" لهذه الحكومات، من خلال رفع سقف الحرية الذي ظل غائباً طيلة العقود الماضية، بل إن الأمر تعدى ذلك ليصل حد إقرار الإدارة الأمريكية إقامة محطة فضائية إخبارية، الهدف منها في جزء كبير منه كان التصدي لخطاب قناة "الجزيرة"، وبالتالى مخاطبة المجتمع العربى من خلال الدعاية المضادة .