لقد أورد الباب الرابع عشر من الكتاب من قانون العقوبات بياناً بهذه الجرائم كما ورد بعضها فى الباب السابع من الكتاب من ذات القانون.
ويمكن تقسيم هذه الجرائم على اختلافها بحسب موضوعات كل جريمة بحسب المصلحة التى تحميها والحق الذى تذود عنه هذه النصوص إلى ثلاثة أنواع هى كما يلى:
1-جرائم الخبر وهى التى تقع بنشر أخبار كاذبة أو بنشر أخبار صادقة لا يحل نشرها مراعاة للصالح العام.
2-جرائم الشرف والإعتبار وهى التى تقع نيلاً من شرف الأشخاص وسمعتهم.
3-جرائم التحريض وهى التى يتجه منها الفاعل إلى مخاطبة الشهوة وإهاجة الخواطر وإثارة الفتن وصولاً إلى تعكير الأمن فى البلاد.
وكل فضيلة من هذه الفضائل الإجرامية يتعين لقيامها توافر ثلاثة أركان:
الأول وهو البلانية والثانى وهو الركن المادى موضوع هذا الباب وسوف نتحدث بعد ذلك عن القصد الجنائى لهذه الجرائم فيما بعد.
والآن نعالج الركن المادى فى كل هذه الجرائم على النحو التالى:
الفصل الأول: نعالج فيه الركن المادى لجرائم الخبر.
والفصل الثانى: نتناول فيه الركن المادى لجرائم الاعتبار.
والفصل الثالث والأخير: نتحدث فيه عن الركن المادى لجرائم التحريض.
على أن حالة الحرب تمثل بغير شك عقبة أساسية أمام حرية الصحافة وتجد فيها السلطة نفسها مضطرة إلى إيراد قيود على حرية الصحافة بسببها ولعل فى الإنجاز الضخم الذى تحقق بمعاهدة السلام بين مصر و إسرائيل فى السادس والعشرين من مارس سنة 1979 ما ينهى حالة الحرب ويدعم السلام فى المنطقة ويؤكد الديمقراطية والحرية حيث يمكن للصحافة من استرداد حريتها ومكانتها فى الحياة العامة بعيدة عن السلطة حرة من القيود.
وفى ظل السلام يجب العودة إلى إعادة النظر فى الصحافة بما يؤكد حريتها- وهو الأمر الذى أشار إليه الرئيس محمد أنور السادات فى خطابه إلى الأمة يوم 12Μ وانتهى فيه إلى دعوة إلى الإستفتاء على بعض الموضوعات التى تضمنها القرار الجمهورى رقم 157 سنة 1979 بدعوة الناخبين إلى الإستفتاء بشأنها ما ورد فى الفقرة التاسعة من المادة الأولى منه وهو "تقنين الصحافة كلسطة رابعة ضماناً لحريتها وتأكيداً على استقلالها".
ولقد شرح الرئيس المقصود بالإستفتاء على هذه الفقرة بشأن الصحافة بقوله "إن تقنين الصحافة كسلطة رابعة ضماناً لحريتها وتأكيداً على استقلالها
– يعنى النص على أن الصحافة سلطة رابعة فى الدستور – لما للصحافة من تأثير رهيب على الشعوب ولا نسمح لفرد أبداً أن يملك صحيفة ويفعل ما يشاء
– وأن الصحافة لابد أن تكون ملكا للشعب ويجب تقنين هذا الحق لصالح الشعب لضمان حريتها واستقلالها
– حتى لا يحاول فرد أن يملى رأيه على الشعب ولا يحاول حزب أن ينحرف بأهداف الشعب" وما أشار إليه السيد الرئيس فى خطابه إلى الأمة فى هذا الشق
–يدل على أن ملكية الفرد للصحيفة لم يعد مقبولاً فى هذا الزمان
– وأنه يجب أن ننشأ سلطة تتملك هذه الصحف وتتولى إدراتها وأن هذه السلطة يجب أن تكون مستقلة حتى لايسيطر عليها فرد يتخذ منها وسيلة لفرض إرادته
– ولا يستبد بها حزب فينحرف بالصحافة عن أهداف الشعب
– وهذا هو المستفاد من أن الصحافة يجب النص عليها بملى أنها سلطة تماماً كسائر السلطات الأخرى فى الدولة وهى التشريعية والتنفيذية والقضائية وإذا ما وافق الشعب على ذلك، صدرت التشريعات المنظمة للصحافة على ضوء هذه الفلسفة الجديدة فى حرية الصحافة.
وبذلك تكون هذه مرحلة جديدة فى مراحل حرية الصحافة فى مصر – وبطبيعة الحال فسوف يتعذر تقييم هذه التجربة الجديدة أو الحكم عليها قبل متابعة سيرها فى العمل ولنترك التجربة وحدها حكما على هذا التنظيم الجديد.
ولكن الأمانة تقتضى أن نفرد كلمة حول ما إذا كانت الصحافة سلطة وهو ما نتناوله فى الفقرة التالية.
هل الصحافة سلطة:
من المؤكد إن الأصل اللغوى لكلمة سلطة يعنى التسلط والقهر ومنه استفاد الشراح هذا المعنى عندما يقولون سلطات الدولة الثلاثة المختلفة حيث لكل منها حق إلزام الأفراد طبقاً للقوانين بأمور وتكاليف عليهم الوفاء بها رغماً عنهم – أو قسراً عنهم
– فالسلطة التشريعية تلزم الناس بما تصدره من قوانين، والسلطة التنفيذية تحمل الناس حملاً على تنفيذ قراراتها التى تصدرها
– والسلطة القضائية تكره الناس على تنفيذ أحكامها
– و من ذلك فإن هذه الهيئات الثلاثة لاشك فى أن كلا منهم تمد السلطة بالمعنى العلمى الصحيح – أما الصحافة فلا يمكن أن تكون سلطة
– لأنه لا يسوغ لها أن تحمل الناس حملاً على ما لايريدون أو تقهر الناس على أمر معين
– وأقصى ما تستطيعه هو دعوة الناس إلى ما يريد كتابها والناس أحرار فى الاستجابة لهذه الدعوة أو رفضها
– ومن ثم فهى أدنى إلى أن تكون مهنة من أن تكون سلطة ولعل المقصود بجعلها سلطة هو إنشاء هيئة تتملك الصحافة وتصدرها وتهمين عليها خلفاً الاتحاد الاشتراكى الذى كان يقوم بهذا الدور وبإلغائه باتت الصحافة وكأنه لامالك لها ولا صاحب
– ولابد من بديل يسد هذا الفراغ ونحن نتفق مع الرأى الذى يرى صعوبة تمليك الصحف للأفراد وأهوائهم ولكنا لانرى البديل عن ذلك هو السلطة ونرى أن فى قيام جمعيات أو شركات ما يحقق التوافق بين الإبقاء على حرية الصحافة والنأى عن خطر امتلاكها من الأفراد
– وللدولة على الشركات والجمعيات من السلطات التى تكفل ضمان سيرها فيما شرعت من أجله – وفى قانون العقوبات ما يضع الحدود الفاصلة بين ما يعد جريمة وما يعد قولاً مباحاً.
الفصل الأول
الركن المادى فى جرائم الخبر
فى هذا الفصل نتحدث عن الجرائم التى تقع على الأخبار
– ويكون نشر الخبر جريمة إذا وقع على أمور حظر القانون نشر أخبارها وذلك فى الحالات التى اعتبرها القانون من أسرار الدفاع على ما نصت مادة 85 من قانون العقوبات وهى مناطق تتصل بأمن الدولة، ورأى المشرع أن تظل بحكم طبيعتها لا يعلمها إلا الأشخاص الذين لهم صفة فى ذلك ولا يتجاوز إلى غيرهم وإلا تعرض أمن الدولة للخطر، ومن ثم لا يجوز تداول أخبار هذا الجانب من نشاط الدولة
– ومن يسلم أخبار هذا النشاط إلى دولة أجنبية أو لأحد ممن يعملون لمصلحتها بأية صورة كانت يتعرض للعقوبة الواردة فى المادة 80\أ عقوبات ومن باب أولى من نشر فى الصحف أخباراً عن هذا الجانب الماس بأمن الدولة لأنه بذلك يوصله إلى دول أخرى وبالتالى يكشف أسرار الدولة وينتهك حرمة أمنها، ولقد ورد فى المادة 80 أ عقاباً لمن أذاع سراً من أسرار الدفاع عن البلاد و العقوبة المقررة لهذه الجريمة هى الحبس الذى لا تزيد مدته على خمس سنوات ولا تقل عن ستة أشهر وغرامة لاتقل عن مائة جنيه ولا تزيد عن خمسمائة جنيه وتكون السجن فى حالة الحرب.
وثمة حالات أخرى لا يجوز نشر أخبارها وهى ما يدور فى المحاكمات السرية أو ما يتصل بقضايا الطلاق والزنا طبقاً لما نص عليه فى المواد 189، 190، 191 من قانون العقوبات وأيضاً النشر عما دار فى جلسات مجلس الشعب السرية، هذه الميادين كلها لا يجوز نقل الأخبار منها مهما كانت صحيحة ومطابقة لواقع الحال، ويعتبر تداول الأخبار بشأنها جريمة يعاقب عليها قانوناً.
وثمة نوع آخر من الأخبار يعتبر نشرها فى الصحف جريمة وهى الأخبار الكاذبة المضرة بالمصالح العامة للوطن وحسن الخلق بين أبنائه وعلى ذلك سوف نتحدث عن جرائم الخبر فى مبحثين الأول عن إذاعة أخبار لا يصح إذاعتها و لو بالصدق لاتصالها بأمن الدولة أو الصالح العام فيها. و الثانى عن إذاعة الأخبار الكاذبة والتى كان الكذب فى نشرها مناط التجريم.
المبحث الأول
جرائم نشر الأخبار الغير مسموح بنشرها ولو كانت صحيحة
والركن المادى لهذه الجرائم يجب أن يتضمن نقل أمر غير معلوم إلى الناس ينبئهم به متضمناً صورة من الصور التى حددها القانون. فى زمن الحرب وشرط العقاب هنا هو أن تكون البلاد فى حالة حرب
– وحالة الحرب مسألة قانونية تبدأ بإعلانها أو بدئها ولاتنتهى إلا بمعاهدة الصلح أو إفناء الطرف المحارب وهو ركن مفترض ولا يهم طريقة النقل فسواء كان مطبوعاً أو شريطاً مسموعاً أو مصوراً – أو مشفوهاً حيث لا يعول القانون على وسيلة النقل.
وهذه الجرائم أو هذه الصور منها ما يتصل بالدفاع عن البلاد وأسرارها ومنها ما يتصل بالصالح العام.
على أن المشرع توسع فى بيان ما يعد من أسرار الدفاع عن الوطن فضمنه ما يتصل بالنشاط الاقتصادى والصناعى على خلاف ما كان عليه من قبل حيث كان النظر إلى أسرار الدفاع قاصراً على المعلومات الحربية والعسكرية ويرجع ذلك إلى أن السلطة أصبح لها نشاط فى مختلف المجالات وتحرص على سرية هذه الأنشطة لضمان تقدمها ونجاح خططها فيها و هذه الأسرار حددتها المادة 85 عقوبات وتكفلت المادة 80ج بتحديد العقوبة كما سبق وأشارت الفقرة الثانية إلى الجريمة بقولها كل من أذاع بأى طريقة سراً من أسرار الدفاع عن البلاد وهذه الأسرار كما يلى حتى يتوافر الركن المادى
(أولا) المعلومات الحربية والسياسية والدبلوماسية والاقتصادية والصناعية التى هى بحكم طبيعتها لا يعلمها إلا الأشخاص الذين لهم صفة فى ذلك – ويجب مراعاة لمصلحة الدفاع عن البلاد أن تبقى سراً على من عدا هؤلاء الأشخاص..
ويقصد بالمعلومات الحربية تلك المعلومات التى تتصل بخطط الدفاع عن الوطن أو تحرير أراضيه وهذه المعلومات تتضمن نوايا السلطة فى إجراءات تحريك قواتها وتوصيلها بخطوط إمدادها بالتموين والأسلحة والذخائر والأهداف الأستراتيجية أو التكتيكية، ويدخل فى هذا النطاق أيضاً عمليات شراء الأسلحة ونقلها وبيان نوعها وأسلوب استخدامها ومكان استخدامها – وبصفة عامة كل ما يمكن أن يكون فى إذاعته ونشره إفادة العدو وتمكينه من التحوط من هذه الخطط والأساليب.
أما المعلومات السياسية والدبلوماسية فهى تتصل بالمعلومات التى تتخذها الدولة ذريعة لأتخاذ قراراتها فقد ترى إجراء اتصالات بأشخاص أو بدولة معينة لأمر معين ولاترى من المصلحة إذاعة هذه الاتصالات قبل استمرارها ونضوجها حتى لا تقع تحت نوع من الاهانة والحرج فى حالة إخفاقها وهذه المعلومات عامة تستوعب كل نشاط لممثلى الدولة سواء كان رئيساً للجمهورية أو وزيراً للخارجية أو السفراء فى الخارج بصفتهم هذه، فى مواجهة غيرها من الدول
– وتشمل فى الداخل مرحلة إعداد القرارات المؤثرة فى الحياة العامة
– حيث أن هذه القرارات بصدورها تكون قد أذيعت وسقطت بصدورها فى حوزة الجمهور وليس من إثم على إذاعتها ونشرها.. وبذلك فالخطر يمتد فقط فى مرحلة الاعداد والبحث والتمهيد.
أما المعلومات الاقتصادية فيدخل فيها كل ما يتصل بإمداد البلاد بحاجتها من السلع والنقد وتوزيع هذه السلع ويشمل ذلك الاستيراد والتصدير والتجارة الخارجية و الجمارك والاستثمارالأجنبى وغير ذلك من الأنشطة المتصلة بأشباع حاجات المواطنين على أن السرية لا تمتد إليها إلا فى مرحلة الاعداد والبحث والتمهيد دون سواها إذ بنضوج هذه البحوث و صيرورتها قرارات صالحة للتنفيذ لا يعد نشرها جريمة لكونها باتت حقاً خالصاً للجمهور..
ويدخل فى هذا النطاق المعلومات المتصلة بالصناعة من حيث التمويل ونوع الصناعة وسر صناعتها وأن كان ذلك لا ينطوى إلا على تلك الصناعات المتصلة بالعمليات الحربية دون سواها وهى الصناعات التى تحتكرها الدولة. وهو مبدأ ملحوظ بصفة أساسية فى الدول الشيوعية حيث تحتكر سرية غالب الأنشطة.
وهذه الألوان من الأنشطة تكون سراً فى حوزة عدد من المواظفين العاملين لحساب الدولة ولا ينبغى لهولاء إذاعة هذه الأنشطة تحقيقاً للغاية من إتخاذها..
(ثانياً) الأشياء والمكاتبات والمحررات والوثائق والرسوم والخرائط والتصميمات والصور وغيرها من الأشياء التى يجب لمصلحة الدفاع عن البلاد ألا يلم بها إلا من يناط بهم حفظها أو استعمالها والتى يجب أن تبقى سراً على من عداهم خشية أن تؤدى إلى إفشاء معلومات بشأن ما يتصل بالحرب أو السياسة أو الشئون الاقتصادية أو الصناعية.
وهذه الفقرة تبسط حماية أسرار الدفاع فى مراحله المتقدمة إذ أن الدولة تستعين فى رسم سياستها وفى أساليب الدفاع عنها بخرائط ووثائق وتتبادل مكاتبات وأشياء وتحصل على رسوم وتصميمات ونماذج بما يمهد لدراسة ما تتخذه من قرارات فى شئون الحرب والسياسة والاقتصاد والصناعة – وهذه الوثائق التى تستعملها لأتخاذ القرار فى هذا الشأن يجب أن تنبسط السرية عليها لحين صدور القرار فى شأنها طالما كان فى نشر هذه الوثائق ما يكشف خطط الدولة وهى تتجه الدفاع عن الوطن فى هذه الحالات.
(ثالثاً) كل ما يتعلق بتفصيلات المعلومات عن القوات المسلحة من حيث عددها وتسليحها وأماكن تواجدها وتحركاتها وأماكن تمركزها وإدارتها و تمرينها ما لم يصرح به كتابة القادة العسكريون – و لايختلف هذا البند عن البند الأول من المادة 85 إلا فى أن هذه الفقرة تتضمن تفصيلات عن القوات المسلحة بينما الفقرة الأولى تتحدث بصفة عامة عن المعلومات الحربية وإن كانت الفقرة الأولى تتحدث بصفة عامة عن المعلومات الحربية وان كانت الفقرة الثالثة بما تتضمن يدخل فى معنى المعلومات الحربية. فهى بمثابة ذكر للخاص بعد العام لأهميته وهو أسلوب مرفوض فى سن التشريع.
(رابعاً) الأخبار والمعلومات المتعلقة بالتدابير والأجراءات التى تتخذ لكشف جرائم المنصوص عليها فى الباب الأول من الكتاب الثانى من قانون العقوبات والذى يتضمن الجنايات والجنح المضرة بأمن الحكومة من جهة الخارج وكذلك فى مرحلة التحقيق والمحاكمة ما لم تأذن جهة الضبط والتحقيق والمحاكمة ويرجع هذا القيد إلى أن هذه الإجراءات تدخل فى صميم أمن الدولة الخارجى ولها اتصال وثيق بصلة الدولة بالدول الأخرى ورعايا هذه الدول ويتعين التحوط فى الاعلان عن هذه الإجراءات حرصاً على علاقات هذه الدول والمصالح المتبادلة بينها، وهذه الفقرة تستوعب نشاط المخابرات العامة ومباحث أمن الدولة فى نطاق أمن الدولة الخارجى
– ويمكن نشر هذه الأخبار إذا ما صرحت سلطات الضبط بذلك أو سلطات التحقيق والمحاكمة..
ويلاحظ أخيراً فى هذه الأخبار فى نطاق هذه المادة تخضع للقول بسريتها وعدم سريتها إلى تقدير محكمة الموضوع على ضوء ما تستشفه من ظروف كل واقعة على حده لما يتضمن النص من عبارات فضفاضة يستعصى تحديد مدلولها بدقة.
وهو ما يقتضى من القاضى جهداً ملحوظاً فى سبيل ضبط النص عند الحدود المقبولة. ويستعان هنا بأهل الخبرة من رجال الحكم.
(خامساً) وثمة نشاط آخر معاقب عليه فى دائرة الخبر يتمثل فى نشر المحاكمات التى تقرر المحاكم جعلها سرية، ذلك أن الأصل فى المحاكمات أن تكون علنية ولكن رخص القانون للقاضى أن يجعلها سرية لاعتبارات من النظام العام وحسن الآداب فإذا ما صار نشر محاكمة تقرر سريتها كذلك طبقاً للمادة 189 والمادة 191 عقوبات كان الفعل جريمة ويدخل فى هذا النطاق المحاكمات التى تختص بالدعاوى المتعلقة بالجرائم المنصوص عليها فى الباب الرابع عشر من الكتاب الثانى من قانون العقوبات وهى الجرائم التى تقع بواسطة الصحف أو الباب السابع من الكتاب الثامن ذات القانون وهى جرائم القذف والسب وإفشاء الأسرار و الزنا حيث ينص القانون على نظر هذه الجرائم أمام المحاكم فى إطار من السرية.
ويعتبر جريمة داخل هذا النطاق ايضاً نشر المداولات التى تدور بين القضاء إذ الأصل أن المداولات سرية لا يجوز نشرها حتى من القاضى الذى شارك فيها فنشر الصحفى لهذه المداولات أو جزء منها يعد جريمة طبقاً لنص المادة 191 عقوبات..
على أنه فى جميع الأحوال لاحظر على نشر الحكم لأن الحكم فى الأصل لا يكون صحيحاً إلا إذا صدر فى علانية وأن كانت المحاكمة سرية ومن ثم فلا إثم على نشرة بعد صدوره – ولا عقاب بطبيعة الحال عن نشر الشكاوى على ما تقرره المادة 189Κ عقوبات. فضلاً عن أن الحق فى مخاطبة السلطات العامة حق دستورى للأفراد. كما أن الابلاغ عن الجرائم واجب مقرر فى قانون الإجراءات الجنائية مادة 25 ما دام قد خلا من الأساء.
ويلحق بهذا القيد نشر التحقيقات التى تجريها النيابة العامة أو قاضى التحقيق إذا ما أمر المحقق جعل التحقيق سرياً لاعتبارات من النظام العام وحسن الاداب أو لخدمة التحقيق إذ يمكن أن يساعد عدم النشر على ظهور الحقيقة على ما نصت عليه المادة 192 عقوبات. كذلك لا يجوز نشر أخبار بشأن التحقيقات والمرافعات فى دعاوى الطلاق والتبنى أو الزنا.
لما لهذه الدعاوى من حساسية لدى العائلات ويتجاوز أثرها إلى أقاربهم الذين لا شأن لهم بهذه الخصومة فضلاً عن ضرورة تقلص هذه الأخبار المتضمنة نوعاً من الرذيلة لا يجوز التوسع فى إذاعتها وخاصة فى بيئة مسلمة تؤمن بالقرآن مصدراً للتشريع وهو ينادى بأنه "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول" ويقول والذين يحبون أن تشيع الفاحشة بينهم لعدوا أينما ثقفوا.
ولقد أضاف المشرع إلى هذا الميدان صورة ما إذا أدين شخص فى إحدى هذه الجرائم بغرامة – ثم أراد دعوة القراء للمساهمة فى سدادها عوضاً عنه – بأن أجرى دعوة الأشخاص أو أحدهم إلى الاسهام أو الاكتتاب فى مبالغ تخصص لدفع الغرامة التى قد يحكم فيها على الجناه – حتى لا يحمل هولاء مئونة دفع الغرامة..
وهذا الاكتتاب يشكل تحدياً لسلطة الدولة حيث يحول دون توقيع العقاب على الجانى ويتحمله عنه سواه ومن ثم يعد هذا النشاط جريمة ويعد جريمة أيضاً نشر أخبار هذا الاكتتاب عملا بالمادة 114عقوبات..
(سادساً) نشر ما جرى فى الجلسات السرية لمجلس الشعب ذلك أن هذا المجلس ينظر أموراً تتصل بنشاط الحكومة ومن المصلحة جعل بعضها سرياً مثل ما يتعلق بالأمن والاستعدادات الحربية والسياسية والاقتصادية التى يكون فى نشرها خطر على البلاد ومن ثم يأمر المجلس ببحثها فى سرية – فان اقتحم الصحفى هذه السرية ونشر أنباء عنها كان فعله جريمة طبقاً للمادة 192 عقوبات.
على أن المقصود بالنشر المعاقب عليه فى هذه الحالات ذلك التبليغ عن تفصيلات هذه الجلسات أو الإجراءات إبلاغاً تنتهك معه السرية ويكتشف معه فساد الغاية من التحوط المطلوب – أما ذلك النشر المتصل بأخبار ساذجة لا تنتهك السرية بها فلا إجرام فيها ولا عقاب ما دامت لا تقتحم السرية المقررة وتنتهكها.
وفى غير هذه القيود لا عقاب على نشر الأنباء كحق عام حيث لا تقوم حرية الصحافة إلا بتقرير حرية الأنباء بل أنها تكون حبراً على ورق ولا اهمية لحرية الصحافة إذا لم يكن من الثابت تقرير حق استقاء الخبر – و إذاعته ونشره من مصدره ما لم يكن فى ذلك مساس بأمن الدولة أو شئون العدالة أو المصلحة العامة وسمعة الأفراد وشرفهم.
على أن الملاحظ أن المشرع المصرى يتوسع فى إيراد حالات الحظر على نشر الاخبار مما يجعل هذا الحق ضعيفاً هشاً وحبذا لو عدل منهجه فى هذا السبيل و اتجه إلى دعم هذا الحق حفزاً للمواطن على الإسهام فى شئون مجتمعه وعدم الاخلاد إلى السلبية واللامبالاه. وأن يقصرها فقط على شئون الدفاع والمعلومات الحربية وسمعة العائلات وسرية المداولات والمحاكمات السرية. يدع شئون الاقتصاد والصناعة وما إليها.
المبحث الثانى
جرائم نشر الأخبار الكاذبة
الأصل أن القانون لا يتدخل لحماية الناس من الكذب إلا فى صور يرى المشرع أن ثمة ضرر حدث بالفعل من وراء هذا الكذب فهو أى المشرع يضفى على الكذب فى المحررات العرفية صفة الجريمة إذا كان من وراء ذلك ضرر – ويفترض هذا الضرر فى تغيير الحقيقة فى المحررات الرسمية ومن ثم يعاقب على الكذب فيها..
كما أن من يكذب على آخر بقصد الاستيلاء على ماله لا يناله عقاباً ما لم يدعم كذبه بطرق احتيالية لتأكيد هذا الكذب.
وهكذا لا يتدخل المشرع فى تجريم أنواع الكذب المختلفة وألوانه كافة – وإنما يضفى وصف الجريمة على ما يراه من الخطورة فى هذا الكذب ويشكل خطراً على الجماعة – ولذلك لا يعتبر نشر خبر عن نجاح طالب أو قبوله بالجامعة أو زواجه معاقبا عليه إن كان كاذبا وقد يكون من مصلحة الفرد ذكر الحقيقة فيكون له حق الرد على هذا الخبر بالحدود التى أوردناها آنفا بشأن حق الرد. وقد حاول البعض وضع ضوابط للخبر بالقول بأنه يجب أن يكون فى نشره فائدة وألا يوذى أحداً.
على أن المشرع لم يضع معياراً يحدد به الكذب المباح والمعتبر جريمة فى نشر الأخبار الكاذبة وإنما أورد نصوصاً متفرقة أعتبر نشر الأخبار الكاذبة فيها جريمة ولاذ بالصمت عما عداها – فأستفاد الباحثون أباحة الكذب فيما لم يندرج تحت نص من النصوص الأخرى لقانون العقوبات وهذه الحالات التى حرم المشرع نشر الكذب فيها هى الحالات التى اوردها فى المادة 80ح، 80د، 102مكرر، 181، 305، 345، 346 من قانون العقوبات وسنتناولها بالشرح تباعاً كما يلى :
أولا – إذاعة الأخبار الكاذبة لالحاق ضرر بالاستعداد الحربى:
نصت المادة 80ج من قانون العقوبات على انه يعاقب بالسجن كل من أذاع عمدا فى زمن الحرب أخباراً أو بيانات أو أشاعات كاذبة أو مغرضة أو عمداً إلى دعاية مثيرة – وكان من شأن ذلك الحاق الضرر بالاستعدادات الحربية للدفاع عن البلاد أو بالعمليات الحربية للقوات المسلحة أو أثارة الفزع بين الناس أو أضعاف الجلد فى الأمة.
وأول شرط للعقاب بموجب هذا النص هو إذاعة أو نشر الأكاذيب والمقصود بالكذب هو مخالفة الحقيقة ويكون على النيابة العامة إثبات أن ما نشر هو محض أختلاق أو مخالف للحقيقة تماماً، ومؤدى الاستنتاج المنطقى أن هذا النص لا ينطبق إذا كان ما نشر يتفق مع واقع الحال ولا يخالف الحقيقة وإذاعة الخبر الكاذب فى هذا الميدان هو عمل إرادى يجب أن تتجه ارادة الجانى فيه إلى نشر الحقيقة ولكنها تذاع بشىء من التحريف أو الحذف بما يجعلها فى حكم الأخبار الكاذبة أم الدعاية المثيرة فهى الأخبار المغرضة المبالغ فيها والمتكررة..
ولا يهم أن يكون ما اذيع هو خبر أو بيان أو إشاعة كاذبة أو مغرضة على ما يقول النص
- بمعنى أن يستهدف الناشر غرضاً غير مشروع لوطنه أو مصالحه الأساسية..
ولكن شرط العقاب أخيراً هو أن يكون لدى الجانى قصد خاص قوامه أن تتجه ارادته من الكذب إلى غاية من تلك التى أوردها النص وهى:
- الحاق ضرر الاستعدادات الحربية للدفاع عن البلاد.
- الحاق ضرر للعمليات الحربية للقوات المسلحة.
- إثارة الفزع فى الناس أو أضعاف الجلد فى الأمة.
فاذا لم تتجه إرادة الجانى إلى غاية من هذه الغايات ما أمكن تطبيق هذا النص وعلى ذلك فمن يذكر أخبارا غير صحيحة لحفز الأمة للاستعدادات الجيدة للحرب عندئذ لا يقع تحت هذا النص.
وليس من أهمية أن يكون البيان الكاذب عن القوات المصرية أو العتاد المصرى بل تتوافر الجريمة وان كان البيان خاصاً بقوات العدو ما دام يؤثر على نفوس المواطنين ويثير الفزع بينهم ويضعف الجلد لدى الأمة. على أن هذه النصوص لاشك ذات مدلول صعب التحديد لكن القاضى يستشعر قيام المعنى كلما بان من عبارات الفاعل المنشورة معاداة للروح الوطنية وعدم أكتراثه بما يحيق بالوطن وسوف نوضح فى الفقرات التالية تفصيل هذه المسميات التى استعملها المشرع فى تجريم الأخبار الكاذبة وما يتصل بها من أخطار.
النشاط المحرم:
وهو إذاعة أخبار أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو القيام بدعاية مثيرة.
ويقصد بإذاعة الأخبار أو البيانات جعلها معلومة لعدد غير محدود من الناس – أو إتاحة العلم بها للكافة أو لمن يشاء دون عائق – وهو فعل إيجابى – لايحل محله النشاط السلبى فى مجرد الإستماع إلى هذه الأخبار أو قبول الإستماع إليها والإستمتاع بها– وعلى ذلك فالأحاديث العائلية وما إليها – لايتوافر بها هذه الإذاعة وإن كان من الحائز القول بقيام هذا الشرط من تكرار التحدث بها فى عديد من المجالس – وليس بذى بال وسيلة الإذاعة كتابة – أو شفاهة مذاعة أو مصورة إلى غير ذلك حيث لا يعنى المشرع بالوسيلة – فى هذا الصدد كما سبق وأشرنا.
أما الأخبار فهى المعلومات المتصلة بحادث غير معلوم. أو نقل المعلومات عن حدث غير معلوم وعلى ذلك فهى تستند إلى واقع تستقى منه – ولا يدخل فيها التصور أو التأمل أو الخيال – و لايدخل كذلك التنبؤ بحدث ما، لذلك لا يعد خبراً مهما دلت الأيام على صحته – ولا يهم أن يكون الخبر مفصلاً أو مقتضباً – أو بصيغة قاطعة أو تشكيكية فكما سبق وذكرنا – إن المداورة فى الأساليب لافائدة فيها للمداور – كما لا يعد النقد أو التعليق خبراً مهما تضمن من معلومات.
أما البيانات فهى المعلومات المفصلة لحدث معلوم بصورة موجزة وتأتى البيانات لتفصيله وإيضاحه – مثل البيانات الخاصة باحتلال موقع أو إلحاق ضرر بالعدو فى موقع معين وغير ذلك من البيانات – وعموماً فإن البيانات بما تتضمنه من معلومات تفصيلية عن الحدث تدخل فى معنى الخبر لما تتضمنه من معلومات عن الأحداث.
والقانون يعاقب على إذاعة هذه الأخبار والبيانات وإن كانت صادقة طالما أن السلطات المختصة لم تأذن كتابة بإذاعتها فى إطار المادة 80 ح من قانون العقوبات ولكن إذا كانت هذه الأخبار كاذبة فإن العقاب يكون واجباً إذا توافر فى إذاعة الخبر أو البيان الكاذب الضرر الوارد فى النص وهو أن يكون من شأنه إثارة الفزع بين الناس أو اضعاف الجلد فى الأمة أو الإضرار بالإستعدات الحربية على ما سوف نذكر حالا.
والخبر يكون كاذباً عندما لا يطابق الحقيقة كلها أو جزءاً منها سواء عن طريق الحذف أو الإضافة أو غير ذلك من الوسائل التى تناقض الحقيقة فى صورة من صورها..
والإشاعة هى رواية عن وقائع بأسلوب يشعر السامع بأن ما يقال هو علم عام معروف للكافة – أو بعبارة أخرى هى رواية عن أمر أو حدث أو شخص بأسلوب يشعر بالذيوع والإنتشار لما يروى أو يذاع – فهى نوع من الخبر غير المؤكد ويريد قائله أو مذيعه إلفات النظر إلى تأكيده وعلم الناس به..
أما الدعاية المثيرة التى وردت فى النص فيقصد بها تلك الحملة المدبرة لإثارة الشعور وبث الخوف بين الناس والذعر بينهم أو إهاجة الخواطر كى ينتهى الأمر بهم إلى الثورة والتمرد أو التخاذل أو الإستسلام – وهى فى جوهرها معلومات مثيرة تصدر من منطقة الشعورى لا تلوى على العقل تثير فى النفس نوعاً من القلق أو الإضطراب يفسد على صاحبه ملكة الحكم على الأشخاص أوالأشياء و الأحداث فيدخل فيها الخبر والبيان و الإشاعة و التعليق وما إلى ذلك..
غاية الحماية الواردة فى النص:-
كما قلنا حتى تقوم الجريمة وبعبارة أدق حتى يتوافر الركن المادى فيها لا يكفى أن يتوافر حالة الحرب فحسب أو أن يكون الخبر أو البيان مستفاداً من مواطن الأمن الخارجى أو الداخلى للبلاد وأن تكون أساليب الجانى يمكن تكييفها إلى خبر أو بيان أو إشاعة أو دعاية مثيرة – وإنما يجب فضلا عن ذلك أن تكون هذه الأساليب من شأنها المساس بالاستعدادت الحربية للدفاع عن البلاد أو بالعمليات الحربية للقوات المسلحة أو إثارة الفزع بين الناس أو إضعاف الجلد فى الأمة – وهذا العنصر الأخير هو شرط لقيام الركن المادى فى هذه الجريمة..
ويكفى أن يتحقق الضرر الذى أورده النص من وراء الإذاعة أو أن يكون من المحتمل تحققه – بشرط أن يكون ملائماً لإحداث هذه النتيجة وهى مسألة موضوعية يقدرها القاضى – فإن كان ما أذيع من أخبار أو بيانات أو اشاعات أو دعاية مغرضة لا يمكن أن ينخدع فيه أحد فإن الجريمة لا تقوم مهما كان الكذب و الاختلاق – وينعدم هذا الآثر إذا كان الوسط الذى سيقت فيه هذه الأساليب من الأجانب لا يعنى بها مثلا أو إلى علماء يصعب التأثير عليهم..
ويقصد بإلحاق الضرر بالاستعدادات أو العلميات الحربية عرقلة الجهود التى تستهدف تحقيق الأمن الخارجى – سواء كان ذلك بعدم التمكين للقوات من توفير لوازمها و استعدادها أو إثارة السخط فى الشعب بما لا يؤيد قواته المسلحة ويفصلها عنه..
أما إثارة الفزع بين الناس فيقصد به التهويل من ويلات الحرب و أعبائها وتكاليفها والظروف الاستثنائية التى تفرضها أما إضعاف الجلد فيها فيراد به ضرب روح المقاومة فيها وتمزيق روح الرضا و القبول لمواصلة الدفاع عنها والتطاول على قدرتها فى الاحتمال لمتاعب الحرب أيا كانت الوسائل و الأساليب، وهو ما يطلق عليه بعض الكتاب باسم التخريب المعنوى..
فإذا توافرت هذه العناصر قام الركن المادى لهذه الجريمة.
فإذا توافرت سائر العناصر الأخرى بات الجانى خليقا بتوقيع العقاب عليه لتوافر أركان الجريمة فى حقه..
ثانياً- إذاعة الاخبار الكاذبة بشأن أوضاع الوطن الداخلية للتأثير عليهفى الخارج وهو ما نصت عليه المادة 80ج، عقوبات..
إذا تقول يعاقب بالحبس مدة لاتقل عن ستة أشهر ولاتزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد عن خمسمائة جنيه أو بأحدى هاتين العقوبتين – من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات أو أشاعات كاذبة أو مغرضة حول الأوضاع الداخلية للبلاد وكان من شأن ذلك أضعاف الثقة المالية بالدولة أو هيبتها أو أعتبارها أو باشر بأى طريقة كانت نشاطا من شأنه الاضرار بالمصالح القومية للبلاد – وتكون العقوبة السجن إذا وقعت فى زمن الحرب..
والمستفاد من هذا النص كسابقه أنه يجب أن يثبت كذب البيان أو الاشاعة أو الخبر المذاع عن الشئون الداخلية فى البلاد. والشئون الداخلية التى أراد النص حمايتها هى الشئون المالية أو الأجتماعية و الأخلاقية وصياغة النص تشعر بحماية سمعة الوطن فى مواجهه أعدائه أو المتعاملين معه – وهى مسألة تقديرية للقاضى..
ثالثاً: إذاعة الأخبار الكاذبة لإثارة الرعب فى الداخل وتكدير الأمن العام وهو ما ورد فى المادة 102عقوبات..
ومناط الأختلاف بين هذا النص والمادة 80 عقوبات – فضلاً عن أن المادة 102 تفرق بين حالات الحرب والسلم فتجعل الفعل فى حالة السلم جنحة وفى الحرب جناية. إلا أن المصلحة المحمية مختلفة فى كل مادة منهما..
والملاحظ أن المصلحة التى يحميها نص المادة 102 مكرر عقوبات هى الأمن الداخلى بينما المواد السابقة تعنى بحماية الأمن الخارجى وهنا نورد الحالات التى أوردها النص ويستهدف الجانى بإذاعة الأخبار او البيانات الكاذبة أو دعايته المفرضة الوصول إليها و لا يختلف معنى الخبر الكاذب والبيان أو الإشاعة المغرضة عن معناه فى المواد السابقة ومن ثم نحيل إلى ما سبق فى شأن هذه المصطلحات..
تكدير الأمن العام:
ويقصد بالأمن العام الإحساس بالأمن و الطمأنينة ونفى الخوف عن المواطنين الأمر الذى يخولهم مباشرة حياتهم اليومية على وجه معتاد والاستمتاع بمناعم الحياة دون خوف – ويتحقق ذلك عادة بقيام الناس بأعمالهم وإقبالهم على تحقيق رغباتهم المشروعة – فأى خبر أو بيان كاذب أو أى إشاعة مغرضة أو مثيرة على نحو ما أوضحنا من قبل تحديداً لمعانى هذه الكلمات – يستهدف من أذاعها عدم قيام الناس بأعمالهم أو كفهم عن تناول حياتهم المشروعة – إنما يسعى إلى تكدير الأمن العام بكل ما من شأنه خلق التوتر بين الناس و إشاعة الخوف والتذمر بينهم..
القاء الرعب بين الناس:
ويكون باستيلاء الخوف على الناس ولا يحسون بالأمان فى سيرهم و تجوالهم و إقامتهم و يتوجسون الخوف كل لحظة من احتمال حدوث ما يعكر صفو حياتهم وذلك لايتأتى مثلاً عن طريق ذكر أخبار عن تفشى الجرائم وقيام العصابات بنهب الناس فى مساكنهم وطرقهم أو وجود وباء أو سموم فى المياه المعدة للشرب إلى غير ذلك – مما يضطر الناس إلى بذل جهود غير عادية فى سبيل حمايتهم وراحتهم ويشعرون بالخوف حال صحوهم وحال نومهم بما يؤثر على أعمالهم وحياتهم اليومية بسبب ما يعانوه من خوف و اضطراب، الأمر الذى يهدد العيش فى المجتمع.
الحاق الضرر بالمصلحة العامة:
ويقصد به تعطيل مصالح الدولة أو حدوث أضرابات تهدد المنشئات إلى غير ذلك مما ينال من إمكان سير أجهزة الدولة على النحو المعتاد..
ولكن كى تقوم الجريمة يجب أن يكون الخبر أو البيان أو الاشاعة الكاذبة من شأنه ولو على سبيل الاحتمال تحقيق هذه الغاية أما إن كان يستحيل تحقق هذه الغايات سالفة الذكر وهى تكدير الأمن العام أو إلقاء الرعب بين الناس أو الحاق الضرر بالمصلحة العامة من وراء ما نشر أو أذيع فلا تقوم الجريمة وهى مسألة موضوعية يقطع فيها القاضى برأيه من جماع ظروف الدعوى غير خاضع لرقابة محكمة النقض فى ذلك..
وليس بلازم أن يقع ما يحقق تكدير الأمن أو إلقاء الرعب أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة فعلا بل يكفى احتمال وقوع ذلك..
وعلى ذلك تقوم الجريمة من إذاعة الخبر أو البيان الكاذب أو الدعاية المثيرة إذا كان الجانى يستهدف تحقيق الغايات التى أوردها النص وهى تكدير الأمن وإلقاء الرعب وإلحاق الضرر بالمنشأت على ما أسلفنا من قبل ولكن المشرع وهو يستهدف حماية الجبهة الداخلية لم يقف بالحماية عند هذا الحد – بل امتد بالتجريم إلى مجرد حيازة محررات أو مطبوعات تتضمن شيئاً مما سبق بيانه إذا كانت معدة للتوزيع وإطلاع الغير عليها و يكون الأمر جريمة أيضاً إذا كانت الحيازة واقعة حتى على وسيلة الطباعة أو التسجيل أو العلانية المخصصة ولو بصفة وقتية لطبع أو تسجيل أو إذاعة شىء من هذه الأخبار أو البيانات أو الدعاية الكاذبة أو المغرضة..
وهكذا لا يكتفى المشرع بإذاعة البيان أو الخبر الكاذب أو الدعاية المغرضة إلى غير ذلك – بل يمتد بالتجريم إلى الأفعال التحضيرية لذلك مثل حيازة المحررات والمطبوعات وغيرها من الوسائل المتضمنة لذلك والمعدة للتوزيع أوالإذاعة. فمجرد وضع اليد على هذه الوسائل أو بسط النفوذ عليها قبل إذاعتها يكون فى القانون جريمة ما دامت معدة للاذاعة أو النشر فعلاً..
وهذه الأفعال اعتبرنها المادة 102 مكرر عقوبات جنحة عقوبتها الحبس أو الغرامة التى لا تزيد على مائتى جنيه و لاتقل عن خمسين جنيهاً إذا وقعت فى زمن السلم وتكون جناية عقوبتها السجن والغرامة إذا وقعت فى زمن الحرب. وزمن الحرب هو الذى يبدأ بالعمليات العسكرية حتى توقيع معاهدة الصلح أو إعلان التسليم للعدو..
وعلى ذلك تحقق هذه المادة حماية الجبهة الداخلية من خطر التخريب المعنوى الذى يفت فى عضد الأمة بهذه الوسائل الدعائية الكاذبة..
وحرصاً من المشرع على حماية الأمة من الداخل فقد ابتدع غاية أخرى يمكن أن تهدد الأمة بهذه الوسائل وهى ما تسمى بالوحدة الوطنية..
فقد أورد فى القانون رقم 24 سنة 1972 بشأن حماية الوحدة الوطنية نصاً يعاقب بذات العقوبات كل من أذاع عمداً أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة بقصد الإضرار بالوحدة الوطنية بين قوى تحالف الشعب أو بين طوائفه..
ولا تختلف هذه الجريمة التى أوردتها المادة الخامسة من القانون المذكور عما ورد فى المادة 102 مكرر عقوبات إلا من حيث الغابة التى تحميها وهى الوحدة الوطنية بين قوى تحالف الشعب – ذلك أن هذا النص يقوم على تصوير أن الأمة مجموعة من القوى العاملة ممثلة فى العمال والفلاحين والرأسمالية الوطنية و المثقفين والجنود – هذه الفئات المختلفة يجب أن يكون بينها سلام ووئام..
فإذا كانت الأخبار أو البيانات الكاذبة أو المغرضة أو الدعاية المثيرة من شأنها أن تؤثر فى هذا التحالف وقعت الجريمة – والعقوبة هى الحبس والغرامة باعتبار أن الفعل جنحة فى وقت السلم أما إذا كان الفعل قد وقع فى وقت الحرب فإن الواقعة جناية عقوبتها السجن والغرامة التى لا تقل عن مائة جنيه ولاتزيد على خمسمائة جنيه..
والمستفاد من هذه النصوص جميعها هو رغبة المشرع فى حماية أمن البلاد الخارجى وسمعة البلاد وأمن البلاد الخارجى – ولكن هل معنى ذلك أن هذه الشئون خارجة عن نطاق النشر والإذاعة؟ وأهمية هذا التساؤل تكمن فى مدى ما يرد من قيود على حرية الصحافة وما لايرد عليها..
والاجابة على ذلك بالنفى قطعا ولكن المحظور هو الكذب – ويمكن الحديث عن هذه الشئون المختلفة واذاعة ما يتصل بها برؤية علمية قائمة على الجدل العقلى والحوار المنطقى القائم على الحجج والبراهين عندئذ لا يكون فى ذلك جرم مهما كان من شأنه المساس بهذه المصالح التى يحميها القانون طالما أن السلطة لم يحظر النشر وبداهة لا تخطره إلا إذا خولها القانون ذلك..
والنصوص كما رأينا تعاقب من يتخلى عن دائرة العقل و يخلد إلى مجرد عاطفة مشبوبة يخاطب الوجدان والشعور متوسلا بالكذب بعيداً عن دائرة العقل والتحليل – ومثل هذا الشخص لا يكون مخلصاً فيما يقول و لا يبتغى الخير من وراء قوله وإنما يبغى شرا بوطنه لامحالة – ومن ثم يكون حريا بتوقيع العقاب عليه..
والباحث الجاد الذى يتخذ من المنطق والبرهان سندا لقوله لا يقع تحت طائلة العقاب و أن أعتمد على أخبار كاذبة أو بيانات مغرضة لتعزيز وجهة نظره لأن الكذب ليس مقصوداً عنده لذاته ولأنه يتعامل مع العقل والمنطق بعيداً عن دائرة الشعور والإثارة. ولا يعنى بغير الحقيقة لا يستهدف المساس بمصلحة وطنية ولايدور بخلده تطاول على وطنه – إنما رصد نشاطه لخدمة الوطن من وراء وصوله إلى الحقيقة التى ينشدها فى بحثه.
وهذا النوع من الجرائم دقيق فى معناه يختلط فيه ما يباح بما لا يباح ولكن الإمساك بهذا الخيط خيط الحديث إلى العقل و الحديث إلى الشعور والعاطفة يقطع الطريق أمام هذا الخلط و يحتاج من القاضى إلى تعمق شديد و حكمة رائدة لتحديد المباح وغير المباح منه..
رابعا – نشر الأخبار الكاذبة والاوراق المصطنعة أو المزوره إذا اتصلت بالسلم أو الصالح العام
وهى صورة مفصلة من ذلك الذى تحدثت عنه المادة 102 مكرر عقوبات .
وتتحدث الفقرة الثانية من المادة 188عن حالة ما إذا وقع فعلاً ما من شأنه تكدير السلم أو الاضرار فجعل عقوبة الحبس مدة لا تجاوز سنتين..
وهذه المادة لا تقدم جديداً عما ورد فى المادة 102 مكرر عقوبات وهى التى استحدثها الشرع بالقانون 112 سنة 1957 و عدلها بالقرار الجمهورى بالقانون 34 سنة 1970 وقصد بايرادها ساعة تشديد العقوبة عن الحد الوارد فى المادة 188 عقوبات وفاته الالتفات إلى الأشارة فى هذه المادة الأخيرة وأجراء تنسيق بينهما ومع ذلك ففى هذه المادة زيادة إيضاح إذ تحرم نشر الخبر الكاذب ليس فقط لكونه كذبا وإنما تحرم كذلك نسبة الخبر الكاذب إلى الغير و كذلك نشر الأوراق المزورة أو المصطنعة ولعل هذه هى الاضافة التى تقدمها وتعاقب على نشر الاوراق المصطنعة وهى التى لا وجود لها أصلاً إنما ابتكرها الجانى ونسبها زوراً إلى مصدرها
– وكذلك تعاقب على نشر الاوراق الموجودة أصلاً فى عالم الحقيقة ولكن ادخل الجانى تغييرا فى بياناتها فأصبحت لا تطابق الواقع أو نسبها كذباً لغير صاحبها
– ونشر هذه الأوراق جريمة إذا كان من شأنه أن يعرض السلم للخطر ويكدر الأمن فى المجتمع مثل نشر أستقالة مسئول على غير صحة أو اتهامه كذباً بخيانة وطنه وهكذا ولكن شرط العقاب فى هذه الحالة على ما تقول محكمة النقض "يجب لتطبيق العقاب بموجب المادة 188 عقوبات الخاصة بنشر الأخبار الكاذبة مع سوء القصد أن يكون الخبر كاذباً
– وأن يكون ناشره عالما بهذا الكذب ومتعمداً نشر ما هو مكذوب
– فاذا كان الحكم لم يورد شيئاً عن كذب الخبر فى ذاته ولاعن علم الطاعن بكذبه فانه يكون قاصراً لعدم استظهاره عناصر الجريمة التى دان بها الطاعن..
خامسا- جريمة نشر الأخبار الكاذبة لأغراض إقتصادية وهى الحالة التى نص عليها قانون العقوبات فى المادتين 345، 346:
اذ من الجائز ان يترتب على نشر أخبار كاذبة عن أسعار بعض السلع بما يترتب عليه علو فى هذه الأسعار أو انخفاضها بغير الحق بما يؤثر على حركة تداول السلع واغلاء سعرها – وبالتالى التأثير فى الاقتصاد القومى سواء كان ذلك بنشر أخبار كاذبة أو اعلانات مزورة أو مفتراه – الامر الذى يكون له أثر على حركة تداول السلع والاضرار بالناس على حساب غيرهم مما جعل المشرع يتدخل بالعقاب فى حالة نشر هذا الخبر أو البيان الكاذب وصولاً إلى هذه الغاية..
وشرط العقاب حينئذ أن يكون البيان أو الخبر أو الاعلان كاذبا بمعنى الا يطابق الحقيقة – ولا يهم نوع السلع التى يتحدث عنها السلع التى يتحدث عنها الخبر أو البيان فقد عبر المشرع فى المادة 345 بكلمة غلال أو بضائع أو بونات أو سندات مالية المهم أن يكون من شأن الخبر الكاذب أو البيان أو الاعلان الكاذب التأثير فى أثمان هذه السلع..
وحينئذ تكون العقوبة هى الحبس مدة لاتزيد على سنة وبغرامة لا تتجاوز مائة جنيه أو باحدى العقوبين..
ولقد أضفت المادة 346 حماية أشد بجعل العقوبة تبلغ الحد الاقصى الوارد فى المادة 345 المشار اليها حالا إذا كان الخبر أو البيان أو الاعلان الكاذب خاصا بسلع معينة رأى المشرع الا يترك المستهلك من العبث باسعارها لكونها ضرورية لا سبيل إلى الاستثناء عنها وهذه السلع هى اللحوم و الخبز والوقود – فهذه السلع من الاهمية للمواطن بما يتعين معه تشديد العقاب على العبث بأسعارها عن طريق الاخبار و الاعلانات والبيانات الكاذبة. فنشر أخبار أو بيانات أو دعاية مثيرة على أساس الكذب للتأثير فى أسعار هذه السلع تقوم الجريمة على النحو الوارد فى هذا النص.