تأليف هربرت شيلر
يتزايد الآن انتقال مبدأ التدفق الحر للمعلومات إلى الموقف الدفاعى، عقب ثلاثين عاما من قبوله على نحو تام تقريباً فى مجال السياسة الدولية (باسثناء الكتلة السوفيتية سابقاً) ومن الممكن تفسير "الوثيقة الختامية" الصادرة هلنسكى – وهى محصلة مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبيين لأعوام 1973- 1975 - والتى تتناقض مع التصريحات الأمريكية الرسمية، بوصفها قيدا نهائياً على مفهوم التدفق الحر.
وكذلك فان المؤتمر العام لليونسكو، الذى عقد فى أواخر 1974، وافق على خطة متوسطة الأجل للفترة 1977 – 1982ارتأت أن الفكرة التقليدية الخاصة بالتدفق الحر بالمعلومات "يلزم استكمالها بتدفق أكثر توازنا وموضوعية سواء بين البلاد أو داخل المناطق أو فيما بينها".
ومن ثم، كان من المبرر أن يكثف صانعو القرارات والمستشارون سعيهم من أجل ايجاد بدائل سياسية تتيح مواصلة تأثير الولايات المتحدة، إن لم تكن سيطرتها على الشئون الدولية الثقافية والاقتصادية.
وكانت التكنولوجيا هى البديل الذى جرى التأكيد عليه وتشجعيه أكثر من ذى قبل.. ويلوح، وفى الواقع، أن التصميم الحالى للسياسة الثقافية الأمريكية يعجل بتنفيذ وتشغيل تكنولوجيا الاتصالات المتقدمة، وتشمل هذه التكنولوجيا شبكات الحاسب الالكتروني ونظم البث عبر الأقمار الصناعية ، ويمكن أن تعمل جميعها عبر الأوطان.
وعلى سبيل المثال فان ليونارد ماركس L.Marks، المدير السابق لوكالة المعلومات الأمريكية، كان صريحاً للغاية فى الخطاب الذى ألقاه أمام المؤتمر الذى نظمته وزارة الخارجية الأمريكية فى عام 1974:
"لايمكن ان تنهض استراتيجتنا على نظام الاتصال الراهن.. وقبل أن يغدو البث المباشر عبر التوابع الصناعية ممكنا ستوجد مع ذلك، شبكات الكترونية عالمية – يعمل بعضها بالفعل – وسوف يطرح وجودها مشكلات واقعية بصدد تدفق المعلومات والتكامل الثقافى.
وسوف تنقل هذه الشبكات كميات ضخمة من المعلومات عن طريق دوائر كهربائية بالغة السرعة تخترق الحدود الوطنية.. وفضلا عن ذلك، فانها لن تكون فى متناول الأشكال التقليدية للرقابة والسيطرة، والسبيل الوحيد "للتحكم فى" شبكة الكترونية تنقل 648 مليون بيت (bit) فى الثانية هو فصل أداة التوصيل الكهربائى ليس إلا.
"وان التوسع العالمى فى نقل البريد الكترونياً وشبكات المعلومات ونظم استرجاع البيانات عن طريق بنوك المعلومات سوف يؤثر تأثيراً هائلاً فى السنوات المقبلة على الثقافات بدرجة أكبر من تأثير أى نظام للبث المباشر، ويتعين على استراتيجيتنا أن تضع فى اعتبارها كل هذا".
كما أن السيد ماركس يركز على الطابع الملح والعاجل وينظر بخشية إلى الجهود التى ترمى إلى الحد من ادخال التكنولوجيا الجديدة:
"بيد أن المشكلة التى تواجهنا فى المدى القصير تتمثل فى منع العمل المتهور الذى يسعى إلى فرض قيود دولية على أى تكنولوجيا للاتصال".
لقد توطدت أركان هذه الاستراتيجية، والعرض بتقديم تكنولوجيا متقدمة، ولاسيما تكنولوجيا وسائل الاتصال إنما يعمل على اغراء قطاع عريض من المجتمع الدولى.
ولهذا السبب، فإنه يبدو من الأمور الملحة اليوم درس الدور الشامل للتكنولوجيا، لا بوصفها أداة لتحقيق الهيمنة الثقافية وإنما باعتبارها تجسيداً لهذه الهيمنة ذاتها.
وينقسم عالم اليوم انقساماً حاداً بين المجتمعات الصناعية والثرية نسبياً والشعوب غير الصناعية والفقيرة، وان جاذبية التنمية ذات اغراء قوى يمكن فهمه وربما لايمكن مقاومته، بالنسبة للبلدان الفقيرة وقادتها، ولا تحظى الظروف المصاحبة للتنمية وفقاً للنمط الغربى بتقدير كاف.
فالتكنولوجيا وطريقة استخدامها تؤثر على المرافق الأساسية للاتصال الاجتماعى، وبذلك فان قبول "استراتيجية انمائية" فى إحدى الأمم يجلب معه ما هو أكثر من المعدات والتقنيات الصناعية، فالكيفية التى يرتبط بها البشر سواء فى مجال العمل أو فى مجال المجتمع أو فى الحياة الأسرية تحددها بقدر كبير، أن لم يكن بصورة ساحقة، طبيعية التكنولوجيا المستخدمة وكيفية استخدامها والعلاقات الاجتماعية التى تنظم استخدامها.
ومن المتناقض، بل ربما كان من المحتم، أن يعمد الأدب الغربى فى مناقشته لموضوع التنمية إلى قلب العلاقات رأساً على عقب ويخلط بين الأمور عند البدء بتحديد القوى الفاعلة، وهو ما يلحظ بوجه خاص بصدد التفاعل بين التنمية ووسائل الاتصال.
ولقد ظهر قدر كبير من الكتابات صدر معظمه فى الولايات المتحدة كما يمكن توقع ذلك، فى الفترة الوجيزة لصعود القوة الأمريكية الدولية عقب الحرب العالمية الثانية، وربطت هذه الكتابات ربطاً وثيقاً بين وسائل إعلام الجماهير، والتنمية الاقتصادية، ونهضت الافتراضات الأساسية على الدور المؤثر الذى يمكن أن تضطلع به وسائل الاتصال الجماهيرية، عن طريق النصح والمحاكاة، فى إرشاد الشعوب "التقليدية" إلى اتباع النهج الذى سلكته المجتمعات الأكثر تقدماً، وهكذا رأى أنصار هذة الأراء إنه من المستصوب أن تعزز وسائل الإعلام: لحديثة ما يسمى بـ"التقمص الوجدانى" Empathy من أجل إحداث التغيير والاتجاه إلى العصرية والتخلى عن "النزعة التقليدية" وتفضيل السلع التى ينتجها المجتمع الاستهلاكى الغربى ومغادرة الريف والهجرة إلى المدينة، ومن أجل أن يصبح الفرد "حضرياً" (من سكان المدن").
ولقد اقترن اسم فريق من العلماء السياسيين فى معهد ماساشوسيتس للتكنولوجيا، من أبرزهم دانيل ليرنر وفردريك فراى ودانيل دى سولابول ولوسيان باى، ببعض هذه المفاهيم أو بها جميعها، ويصف فراى نظرية ليرنر عن وسائل الاتصال والتنمية، التى ربما كانت أكثر النظريات تطوراً من حيث شمولها فيقول "تناول هذه النظرية فى جوهرها عملية الحداثة وفقاً لأربعة متغيرات: التحضر والتعلم والتعرض لوسائل إعلام الجماهير والمشاركة" ومن ثم فإن " التحضر المتزايد اتجه إلى زيادة التعلم فى كل مكان وأن ارتفاع نسبة التعلم اتجهت إلى أحداث زيادة فى نسبة التعرض لوسائل الإعلام مع اتساع المشاركة الاقتصادية (الدخل الفردى) والمشاركة السياسية (التصويت فى الانتخابات).
وفى ذات الوقت تقريباً الذى كان يطور فيه ليرنر نظريته عن التنمية المعتمدة على وسائل الاتصال فإن اليونسكو التى كانت لاتزال تعد من الأدوات المساعدة كثيرا للويالات المتحدة نشرت معايير عن الحد الأدنى من المستويات التى يستحسن توافرها حتى يكون وسائل الإعلام ملائمة للتنمية، وهذه المعايير هى النسب المعتادة من استهلاك الفرد للصحف، وعدد أجهزة الراديو ومقاعد السينما، نحو ذلك، التى تتاح للفرد..
ومع ذلك فإن تعاقب الأحداث يتبع مساراً مغايراً، برغم أنه لايمكن إنكار أن وسائل إعلام الجماهير، باتباع الوصفات الغربية، يمكن أن تثير لدى الأفراد الرغبة فى المشاركة فى مسيرة التنمية التى تصاغ على النمط الغربى، فإن هذه العلاقة تأتى فى مرحلة تالية للواقع الفعلى..
فاولاً يأتى النظام ذاته، كيفية ظهوره أو ادخاله إلى الكيان\ المجتمع "التقليدى"، وإن العملية التى يطلق عليها الدارسون الغربيون اسم "العصرية\ الحداثة " تأتى بوجه عام فى أعقاب دخول النظام التجارى، وترتيباته التجارية وشبكاته المالية ونشاطاته الاقتصادية وليس أقلها هياكله وعملياته التكنولوجية، وكل هذه العوامل بأسرها هى التى تمهد الطريق وتقتضى القيام بحملات التحديث.
وإن التكونولوجيا التى تعرف بعامة، بأنها الهياكل التنظيمية والنظم الإدارية الهرمية، وبطبيعة الحال، المعدات والأجهزة ومايلزمها من عمليات وتدابير هى التى تحدد أنماط الاتصال الأساسية.
وإن وسائل إعلام الجماهير – الصحافة، الإذاعة، التليفزيون تكمل وتوسع نطاق الرسالة التى يريد النظام نقلها، غير أن الهياكل الفرعية الأساسية المرتبطة بالترتيبات الإنتاجية المادية تحمل على – وتؤدى إلى – صياغة الرسالة وتحديد طابعها، ومن المؤكد أن هذا يحدث بصورة غامضة إلى حد ما، لكل من يعينهم الأمر.
وتعد التكنولوجيا، كما عرفناها، وظروف الحياة الإنتاجية عادية وطبيعية ولا تتسم بطابع ايديولوجى، وهوما يلحظ على نحو خاص بصدد التكنولوجيا "الثقيلة".
والتكنولوجيا التى تتبدى أساسا، على نحو يمكن فهمه كلية تقريباً، فى صورة آلات وأدوات مرئية، يمكن أن تتلاءم على نحو رائع مع الزعم القائل بأنها محايدة ولاتنطوى على أيه قيمة، ويمكن أن يستخدمها أى نظام اجتماعى، بغيه تحقيق غايات جد متباينة فى بعض الأحيان، وفضلاً عن ذلك، فإن مفهوم التدفق (التداول) الحر للمعلومات الذى يرى أن المنافع تعود على كل شخص يشارك فى هذه العملية وإن كان فى واقع الأمر ليس أكثر من طريق وحيد الاتجاه يتيح للأقوياء بالفعل ممارسة هيمنتهم، إن هذا المفهوم امتد إلى التكنولوجيا – حيث ما زال مرجحاً إلى حد كبير أن تتضاعف تبعية الأطراف الأضعف.
ومن المهم التسليم بان تكنولوجيا الرأسمالية المتقدمة يصعب على الأرجح أن تكون ملائمة للبلدان النامية ومن الضرورى إدراك أن هذه التكنولوجيا فى حد ذاتها تعبير عن التكوينات الرأسمالية والجهود التى انبثقت منها، وأن المفاهيم والتصميمات الخاصة بالأجهزة المادية لها شكلتها العمليات الإنتاجية والعلاقات السائدة آنذاك ونبعت منها.
وعلى وجه اليقين فإن تطور التكنولوجيا على نقيض تطور الأفكار الإبداعية التى لاتتجسد مادياً – يعتمد اعتماداً كلياً على موافقة مراكز القوة الاقتصادية صاحبة القرار فضلا عن تشجيعها، ومن غير المتصور ألا يكون الأمر على هذا النحو وكما يحدد نيكولاس جارتهام Garnham:
" ... يحسن اعتبار التكنولوجيا بالأحرى هى تلك الأمكانات التى تختار تكوين اجتماعى معين تجسيدها وإضفاء الطابع المؤسس عليها.. وخلاصة القول إن المسائل المتصلة بعلاقة التكنولوجيا بالمجتمع إنما هى مسائل سياسية، وتتعلق بعلاقات القوى داخل المجتمع والأحكام القيمية بصدد شكل المجتمع واتجاه تطوره واستخدام الموارد لهذه الغاية".
ويرى رايموند وليامز أنه من بين أوجه الالتباس السائدة الاعتقاد بأن "التكنولوجيا الجديدة اخترعت كما لو كانت فى مجال مستقل، ومن ثم تخلق مجتمعات جديدة أو أوضاعاً إنسانية جديدة" والواقع التاريخى مختلف عن ذلك.
ويلاحظ وليامز:
"إن تاريخ نظم وسائل الاتصال (التليفزيون والتطورات الإلكترونية المتصلة به) لايمكن أن يتمثل بأى حال فى أنها تخلق مجتمعاً جديداً أو أوضاعاً اجتماعية جديدة، ولقد خلق التحول الحاسم والمبكر للإنتاج الصناعى، أو أشكاله الاجتماعية الجديدة التى نمت عبر تاريخ طويل من التراكم الرأسمالى والتحسينات التقنية فى ظروف العمل، احتياجات جديدة بل إمكانات جديدة أيضاً وكانت نظم وسائل الاتصال، وصولاً إلى التليفزيون، المحصلة الفعلية التى نبعث منها"..
و التكنولوجيا تركيب اجتماعى، تخدم نظام القوة الاجتماعية السائد أحياناً فى التغيرات التى تحدث فى تنظيم تلك القوة وتوزيعها، وفى أثناء عملية التطور الاقتصادى فى أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية فإن الملكية الخاصة للموارد الإنتاجية وفرت الأساس الذى تنهض عليه هذه القوة، واستخدمت لدعمها وتوسيع نطاقها، ويجدر إتمام النظر على نحو أدق فى التفاعل بين التكنولوجيا والرأسمالية وفى عرض هذه العلاقة المتبادلة التى لاتنفصم عراها بوصفها علاقة غير سياسية.
ويصر دالاس سيمت D.smythe على أن الفكرة القائلة بأن "التكنولوجيا مستقلة بذاتها" هى "مفهوم سياسى"، و إن تقبل التكنولوجيا بوصفها اتجاهاً عالمياً (أو عاملاً مستقلاً بذاته) يقود الناس حتماً إلى اعتبار التكنولوحيا شيئاً يحدث لهم دون موافقتهم أو وعيهم أو دون أن يكون فى وسعهم التحكم فيها والسيطرة عليها.
وربما كان الاعتقاد بأن القوى الإنتاجية تنمو على نحو مستقل يعد ملائماً لحقبة تاريخية مبكرة، غير أنه منذ الحرب العالمية الثانية على الأقل شرعت الحكومات والشركات فى تخصص ميزانيات ضخمة للبحوث العلمية والتكنولوجية بغيه تحقيق أهداف متعمدة متبناه، ويصعب أن نعتبر أن الاستخدامات التكنولوجية المترتبة على هذه النفقات الضخمة قد اكتشفت مصادفة أو تطورت بصورة مستقلة.
وان عدم القدرة على إدراك المنابع الاجتماعية للتكنولوجيا يفسر بقدر كبير الإحساس بالعجز الفردى الذى يسود اليوم معظم الدول الصناعية المتقدمة، ومع ذلك، فما أكثر وأعزز الشواهد التى تبين، فى المجالات المهمة الخاصة بالاتصال والنقل، المنابع الرأسمالية للتكنولوجيا والطابع المحدد لنظام هذه التكنولوجيا.
وكما يلاحظ وليامز، فإن البث الإذاعى والتليفزيونى تم تنظيمه وتطور فى سياق مجتمع مجزأ بالفعل، حيث تعيش كل أسرة منعزلة فى مسكنها الخاص لا تربطها رابطة بغيرها، وجاء هذا الوضع محصلة لا محيص عنها لتطور يتحكم فيه السوق، عمل على تفتيت الجماعة وحكم على الأفراد بالمعيشة فى مهاجع مادية وسيكولوجية معزولة، وإن بث الرسائل من مصادر إرسال مركزية إلى متلقين من الأفراد المتناثرين يخدم ويضاعف التدفق الذى يسير فى اتجاه واحد وترسخ فى طبيعة النظام ويفصل الحاكمين عن المحكومين، وكذلك فإن السيارة كما قال جارنهام:
"لم تكن نتاج اختراع آله احتراق داخلى وإنما كانت آله الاحتراق الداخلى بالأحرى، إحدى الوسائل التى نشدتها الرأسمالية، ووجدتها فى مرحلة معينة من مراحل التطور الصناعى لكى تستخدم استخداماً اجتماعياً عن طريق تطوير التكنولوجيا الإنتاجية الصناعية الحديثة وكذلك عملية التسويق التى تعد أكثر أهمية، فضلاً عن هذا فإن صناعة السيارات، كما نعرفها اعتمدت فى نموها على إدخال هذه الوسائل فى بنيه سياسية تحملت عبء بناء الطرق على حساب العامة بينما سمحت بأن تتراكم فى قطاع خاص الأرباح الناتجة عن صناعة السيارات وبيعها".
وتقدم الأزمة الأيكولوجية التى تحوم فوق المجتمع الصناعى الدليل النهائى، وقد اقتفى بارى كومونر Commoner بعناية آثار بعض جوانب العلاقات التى تكتشف عنها الصلة القائمة بين التكنولوجيا السائدة والنظام الاجتماعى ويذكر:
"إن الصلة الحاسمة بين التلوث وجنى الأرباح يبدو أنها تتمثل فى التكنولوجيا الحديثة التى تعد المنبع الأساسى للزيادة الحديثة فى الإنتاجية وبالتالى فى تحقيق الأرباح، فضلاً عن كونها المصدر الرئيسى لألوان الهجوم الحديثة على البيئة، و إن المشروعات الخاصة الحديثة التى يدفعها ميل داخلى للحصول على أقصى ربح قد تلقفت هذه التجديدات التكنولوجية الضخمة التى تعد بإشباع هذة الحاجة، ولاتدرك عادة أن هذه التجديدات كثيراً ما تكون من أدوات البيئة".
ومن الجلى أن العامل الأساسى فى إدخال التكنولوجيا الحديثة هو السعى للحصول على الربحية ويعد "عدم الوعى" بالآثار الناتجة عن ذلك بمثابة لامبالاة حقاً بالتكاليف الاجتماعية – التدهور البيئى المترتب على ذلك – التى تقع على عاتق المجتمع ولاتؤثر على المنتج.
وما يحظى بأهمية خاصة هنا هو ما توصل إليه كومونر من أجل التكنولوجيا التى أدخلت إلى الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية بوجه خاص، قد كشفت عن اتجاه ساحق يعمل على تدهور النظام الأيكولوجى، وكما نعلم فإن الأجهزة الإعلامية التى فى خدمة النظام قدمت هذه المعلومات فى صورة زائفة تماماً إلى عامة الجمهور، وقدم التعبير التجريدى الغامض "التكنولوجيا" باعتباره تفسيراً لأسباب الأمراض المتفشية بين الناس – وليس التكنولوجيا المحددة المرتبطة بالرأسمالية الساعية إلى الربح.
ويزودنا المجال العسكرى بمثل من الأمثلة الصارخة والمستمرة على كيفية توجيه "العلم" و "التكنولوجيا" و "الموضوعية" فالأموال التى يقدمها البنتاجون تحكمت فى البحوث التى أجريت فى الولايات المتحدة لما يزيد على جيل من الزمان، وقد أوضح عالمان استناداً إلى دراسة العقود التى أبرمتها وزارة الدفاع فى 9 فبراير 1971 مع جامعة ساتنفورد.
"اتضح من دراستنا أن القوات المسلحة طورت برنامجاً رشيداً حسن الإدارة كى تحدد أولويات البحث وفقاً للاحتياجات العسكرية الجارية و المزمعة، ومن أجل أن تشترى من الجامعات البحوث الإنمائية التى ترتكز على هذه الاحتياجات، وفى حين أن العمل العلمى تم بموضوعية وفقا لما عكسه كل مشروع على انفراد فإن التمويل المتاح عمل على توجيه اختيارات العلماء نحو أى مشاريع يتعين عليهم اتباعها.
ويستشهد هذان العالمان بالمسئولين فى وزارة الدفاع الذين يرون أن "وزارة الدفاع لا تقبل أى إنتاج علمى وتكنولوجى يثمره النمط العشوائى الذى ينتج من أنشطة البحوث المستقلة فى الجامعات، وبالأحرى فإن اهتمام وزارة الدفاع بمجال معين يمكن أن يدفع ويحفز عملية النمو والتطور التى يجرى تخطيطها لملء الفجوات التكنولوجية فى القدرات العسكرية سواء فى الأجل القصير المحدد أو فى الأمد الطويل العام".
وتقدم الملابسات المحيطة بتطور التوابع الصناعية للاتصال مثالاً آخر تتضح منه المنابع السياسية الاجتماعية للتكنولوجيا، وعلى الرغم من أن التكنولوجيا امتدحت لقدرتها على توفير تعليم شامل وإثراء ثقافى مع إتاحة إمكانية التوصل على الفور إلى مستودعات المعلومات عبر العالم بأسره، فمن الضرورى أن نتذكر أن الأموال التى انفقت على البحوث الإنمائية والتى أفضت إلى تصور و إنتاج مراكز الإرسال والهائيات المحلقة عالياً وفرها اتحاد عسكرى تجارى أمريكى مبتغياً تحقيق أهداف جلية.
ولم يكن هذا السعى عشوائياً يبغى إيجاد وسائل اتصال جيدة، فقد كان تطور التوابع الصناعية، منذ بدايته، معبراً عن الجهود الموفقة التى بذلتها شركات الاتصال الخاصة فى الولايات المتحدة لإزاحة البريطانيين عن هيمنتهم على الاتصال الدولى التى حققها لهم سيطرتها على الكابلات البحرية المنتشرة عبر القارات.
وتحقق هذا الجهد بالتعاون بين الشركات التجارية الاحتكارية والقوات المسلحة فى الولايات المتحدة التى كانت تبدى اهتماماً فائقاً بالاتصالات الآنية، بهدف خدمة الإمبراطورية الأمريكية التى تنشر قواتها فى جميع القارات، وقد خضع أول نظام عمل على تحقيق الاتصال عبر التوابع الصناعية للإشراف العسكرى.
وبعد عقد من الزمان فى أوائل السبعينات، تكون اتحاد دولى (سمى intelasat) ضم 91 دولة (حالياً) مستخدماً نظام التوابع الصناعية فى الولايات المتحدة، وسيطرت على الصعيد الحكومى المشترك، وفى السنوات الأخيرة فإن الدوافع الوطنية لدى الدول الأعضاء فى انتيلسات قد ضغطت من أجل الحد من السيطرة الرسمية للولايات المتحدة (عن طريق التصويت)، وعلى الرغم من ذلك، فإن جميع المشركين قبلوا مبادىء وإجراءات تشغيل نظام تكنولوجى فى تكوينه ومعايير ترشيده.
ويذكر أحد الذين سردوا تاريخ هذا الاتحاد (انتيلسات) أن "القرارات (يمكن أن) تصدر وفقاً للأهداف المالية والتكنولوجية بصرف النظر عن المقاصد السياسية أو المثل العليا فى المدى البعيد ويستحسن ذلك"، ويقول آخر: فإن جميع الدول الأعضاء فى هذا الاتحاد البالغ عددها 91دولة بما فيها يوغوسلافيا والعديد من بلدان العالم الثالث، ارتضت حتى الآن سيادة مبادىء الفعالية والوظيفية Functionalism وتفوقها على الاعتبارات السياسية والاجتماعية ولا يعد هذا الأمر بالنصر الهين فى المجال الأيدلوجى وفى إطار الإنتاج – الربح بالنسبة للرأسمالية بوجه عام والشركات التجارية الأمريكية بوجه خاص، لأنه حالما يطبق تعريف السوق "للفعالية" فإن احتمال بل إمكانية تضمين العوامل الاجتماعية فى حساب التكاليف أو الأرباح يختفى حتماً.
ومجمل القول إن التكنولوجيا – ولا سيما تكنولوجيا الاتصال – قد تم إدراكها وتطويرها وتشبعها بالمصالح الرأسمالية الأمريكية ومواصفاتها منذ الحرب العالمية الثانية بوجه اليقين ومازالت كذلك حتى الآن، ويجب التسليم بإمكان أن تستخدم التكنولوجيا، مهما كانت منابعها، على نحو بديل فى حالات معينة غير أن هذا الموضوع يستدعى إجراء تقييم متأن لكل حالة على حده، وسنزيده إيضاحاً فيما يلى:
وبما أن التكنولوجيا الغربية لا تعد جزءاً لا يتجزأ من النظام الاستغلالى فحسب، إنما تعمل على توسيع وتعميق ذلك الاستغلال، فهل يمكن تصور وجود بديل؟
ثمة نهج ممكن، يتمثل فى القسمات السائدة للتكنولوجيا الغربية أثناء فحص الاتجاهات البديلة الممكنة التى ترى أن الاكتشاف التكنولوجى يمكن الأخذ به إذا كانت دوافع وحوافز وتوزيع القوة الاجتماعية مغايرة، وما هو أساسى فى هذه النظرة هو القرار بأن تطور الاختراعات والاكتشافات والعلم بعامة ينبع من عملية تاريخية ومن الاحتياجات الاجتماعية التى تبدت فى حقبة معينة، وثمة بدائل وفرص مختلفة تتاح أثناء تطور هذه العملية أو تلك الآلة أوذلك المنتج، ويكون توزيع السلطة الاجتماعية والتأثير الاجتماعى هو العامل الحاسم الذى يحدد أى مجرى يتعين اتباعه وأى اختيار ينبغى أن يحتذى وأى فرص سوف تغتنم وأيها سوف يترك دون ارتياده وسبر أغواره.
ويلاحظ جارنهام، مثلا، كيف أن حركة Luddite (محطمو الآلات)، التى ظهرت فى انجلترا فى فترة مبكرة من تطور الرأسمالية الصناعية قد افترى عليها وأسىء عن عمد تفسير التحدى الذى كان يواجهها:
"وحتى وقت حديث، فإن هذه الحركة التى قامت بها طبقة عمالية فى طور التكوين لمعارضة الرأسمالية الناشئة، وسمت بالغباء وحكم عليها بأنها تعارض التقدم النافع، ولم تكن هذه الحركة على هذا النحو إذ كانت نضالا لا يعادى التكنولوجيا فى حد ذاتها (فقد أراد النساجون الخلاص من الكدح الشاق العنيف) وانما انصب هذا النضال على اختيارات التكنولوجيا واستخداماتها .
وكانت حركة اللوديت تعارض إدخال تكنولوجيا تحبذ تغليب سيطرة المال المركزية فى المصانع على السيطرة اللامركزية التى يقوم بها النساجون أنفسهم".
وعلى الرغم من أن الكثير من الفرص الأولية التى أتيحت للسير فى مجرى تاريخى مغاير قد يكون قد ضاع بلا رجعة فإنه من الأمور المهمة فى حد ذاتها – ولا سيما بالنسبة لمجتمعات يمكن أن تتاح لها فرصة اختيار أخرى – إقرار أن ما هو سائد الآن فعلاً لا يثبت تفوقه من الناحية التطورية ولاحتمية حدوثه، لاريب فى أنه من المتطلبات الأساسية والأولية لاتخاذ القرارات الاجتماعية المهمة إدراك أن اختيار التكنولوجيا يمكن أن يؤثر تأثيراً بعيد المدى على نسيج كامل من العلاقات الاجتماعية.
وأن أقل ما يمكن توقعه من هذا الإدراك هو التباطؤ فى الاندفاع لتقليد ومحاكاة النماذج الإنمائية الغربية (ونماذج الاتصال)، مما يستدعى مقاومة النظرة التى تعد التنمية (سباقاً) وأنه يمكن التقاعس عن الدخول فى هذا السباق الذى يجب أن يجرى فى الحلبة التى أعدها فعلا أولئك الذين يطوفون، مصابين بالدوار، حول مجراه لزمن طويل.
ويحسن أن يكون القرار الرئيسى الخاص باستيراد العالم الثالث للتكنولوجيا الغربية هو "لماذا الاندفاع" ومن الأفضل حقاً أن يكون الشعارات هى التأخير والتأجيل و الإرجاء.
ويطرح جون لنت Lent مثلاً سؤالاًَ بصدد وضع مشابه للوضع الموجود فى ماليزيا حيث ترسى الخطط لإدخال التليفزيون الملون قبل أن يعمم تماماً التليفزيون الأبيض والأسود. فلماذا؟ ولاتأتى الإجابة من ماليزيا وحدها وإنما أيضاً من مركز الرأسمالية الاحتكارية فقد بلغت سوق أجهزة التليفزيون الأبيض والأسود فى الولايات المتحدة فى أواخر الخمسينات حد التشبع تقريباً، ومن أجل الحفاظ على استمرارية الإنتاج وضمان الأرباح المرتفعة، دفع بالتليفزيون الملون إلى السوق الداخلية وتم ترويجه بثمن مرتفع، فهل احتاج الأمريكيون إلى هذا؟ يستفيد الآسيويون من اتباع نفس المسار؟
وتشير الشواهد المستمدة من مصادر شتى إلى النفع العظيم الذى يحققه التروى والتفكير والتقييم المتأنى والتردد قبل أن تدخل فى أى مكان أحدث نماذج البحوث والتقنيات المتقدمة التى تصدر عن الشركات الغربية الساعية إلى الربح..
وعلى سبيل المثال، فإن متضمنات وآثار الثورة الخضراء التى حظيت بالكثير من الدعاية – والتى تتمثل فى إدخال أنواع البذور ذات الأنتاج الكبير إلى كثير من الأقطار الأسيوية – لم يبدأ وضعها فى الاعتبار إلا الآن وفقاً لما ورد فى تقرير بمجلة العلم:
"يتمثل نقد عام ومهم للثورة الخضراء فى أنها لا تعد غير تكنولوجيا زراعية أمريكية نقلت إلى الخارج، وذلك بعيداً عن كونها مصممة خصيصاً للبدان الأقل نمواً، وأكثر الجوانب بروزاً فى هذا النقد وهو أن الثورة الخضراء مثل الزراعة الأمريكية تعتمد على مدخلات الطاقة العالية مثل المخصبات والمبيدات الحشرية والوقود ... وتصلح محاصيل الثورة الخضراء للوفاء بالمعايير التجارية الغربية فى الإنتاج الضحم و الأرباح المرتفعة..
وقد تم اعدادها وتصميمها لكى تنمو فى نطاق الزراعة ذات المحصول الواحد حيث يزرع الحقل بأسره بنفس النوع من المحصول الواحد... والحد من التنوع لا يفيد بوجه عام إلا فى الزراعة التى تتسم بطابع تجارى واسع؛ حيث يساعد توحيد المحصول على ميكنة الحصاد والتغليف والتسويق، وأن قيام الفلاح المزارع بإقلال عدد المحاصيل أو الأنواع التى يزرعها إنما هو بمثابة ضمانة ليس إلا تحميه من التعرض لمخاطر أكبر"..
وما يقدم بوصفه تكنولوجيا منقذاً للحياة يمكن أن يكون على نقيض ذلك كارثة محطمة للمجتمع..
ويقدم لنا المجال الطبى مثالً آخر مروعاً لما يمكن توقعه من التكنولوجيا المنتجة للسوق، ويشير أخصائيو السرطان إلى أن "ضروب السرطان التى نشهدها الآن إنما يعود منشؤها إلى ما بين 15 و25 عاماً مضت.. ويحتوى الهواء الذى نستنشقه على غازات وذرات لم يسبق لها أبداً أن تسربت إلى رئة الإنسان، وتوجد فى طعامنا كيمائيات تستهدف تحسين مذاقه ونضارته ومظهره – إلا أنها غريبة على الأمعاء والكبد والكلى والدم" كما أنهم يلاحظون أنه "لايزال مستمراً كما كان فى الماضى عدم إجراء اختبارات أولية سابقة للمواد المخصصة لعلاج السرطان وغيره من الأمراض الخطيرة، إنما يتم الفحص بغرض إمكانية الاستخدام والبيع والمنفعة.
ولقد أوصت جماعة من علماء البيولوجيا الجزيئية منذ أمد قصير بعدم الاستمرار فى بعض أنواع تجارب الهندسة الوراثية إلى حين التأكد من المخاطر التى ينطوى عليها مثل هذا العمل، وقد علق كاتب علمى على هذا الاقتراح الذى لم يسبق تقديمه، ".. لاتتوافر لدينا فعلاً آليات مفيدة تتيح إجراء مناقشات مفيدة بصفة مسبقة لمثل هذه القضايا فى مجال البحوث العلمية.. ونحن فى حاجة ملحة إلى تطوير آليات اجتماعية وسياسية أفضل كى نتوقع البحوث الخطيرة وربما استطعنا التحكم فيها أيضاً".
وكتب عالم أمريكى، ليون كاس Kass، عن نفس موضوع "الهندسة البشرية" بطريقة مثيرة للمشاعر:
" و لما تنقصنا الحكمة، فإن حاجتنا تصبح ماسة إلى الحيطة ويمكن أن نقول: أنه بسبب افتقادنا تلك "الحكمة النهائية" فإنه فى وسعنا أن نتحلى بما يكفى من الحكمة كى ندرك أننا لسنا حكماء بما فيه الكفاية، وعندما تنقصنا الحكمة الكافية للفعل فإن الحكمة تقضى بألا نفعل شيئاً، وما تمليه هذه الحكمة الثانية الأفضل ( وربما الحكمة الوحيدة) بصدد التكنولوجيا اللازمة للهندسة البشرية هو الحيطة، التحفظ، التأخير، الامتناع"..
ويتساءل: "ألا يوجد ثمة تناقض فى الفكرة القائلة: بأننا نمتلك القوة للتحكم فى جميع النتائج المعاكسة للتكنولوجيا، إلا أنه تنقصنا القوة لتحديد ما إذا كان ينبغى تطويرها فى المقام الأول؟".
وتلك أسئلة فيزيائية؟ فمن شرع فى التفكير فى الأسئلة الثقافية – النفسية وفى آثار تلقى الرسائل التى لا تختبر إلا من أجل أثرها الإعلانى وفعاليتها الاستهلاكية على أفئدة وعقول مئات الملايين من البشر؟
لقد وجدت حفنة قليلة فقط من البشر فى المجتمعات ذات الأسواق المتقدمة فعلاً، دفعها فى تفاقم الأزمة الاجتماعية إلى التأمل والتفكير معبرة،على حياء، عن ضرورة الحيطة والحذر تجاه العلم والتكنولوجيا،هيكل النظام الاجتماعى الاقتصادى السائد، وعلى الرغم من ذلك، وفيما يتعلق بالزراعة الطب والطاقة الذرية وإنتاج الطاقة الكهربائية والمنظفات الصناعية وعدد متزايد النمو من الصناعات والمنتجات، فإنه ينمو الشعور بأن الوقت قد حان للدعوة إلى وقفة مؤقتة على أقل تقدير.
و ما إذا كان ذلك مجدياً أيضاً فى نظام سوق شديد التحصين هو أمر قيد البحث، غير أن الموضوع المطروح هنا هو بروز عدم اليقين والارتياب فى مركز البنية الرأسمالية العالمية ذاتها تجاه عمل ذلك النظام، ومن اليقين أن الضوء الأصفر الذى يرمز للحذر ينبغى أن يومض فى جميع المناطق المحيطة بالنظام – فى جميع الدول التابعة وشبه التابعة ونصف المتحالفة التى تشكل ما يسمى بكل غرابة، العالم "الحر"، كما ينبغى للدول غير الدائرة فى الفلك الرأسمالى التى انبهرت خفية أو علنا بالتقنيات والنماذج الغربية أن تشرع فى إعادة تقييم هذا الافتتان..
وليس ثمة قواعد ومبادىء إرشادية بسيطة يمكن أن تقدم لأولئك الذين يهتمون بتفادى السير فى المجرى الفاجع الذى يبدو أن مجتمعات الملكية الخاصة تنهجه فى الوقت الحاضر، ومن المؤكد أن فهم الأساس الاجتماعى لأصول وأشكال التكنولوجيا أمر إلزامى، ومن الممكن أن مدى تعبير تكوين اجتماعى عن مصالح شعبه العامل هوالمحك الذى يحدد إمكانية خضوع أمة من الأمم لفرض تكنولوجية قمعية، والنظام الاجتماعى الذى لايتظاهر بأى طابع طبقى واضح فالنتائج تكون جلية: إذ يصبح من المحتم زيادة استيعابه فى النظام الاقتصادى الغربى وقيمه.
ومن المشكوك فيه ما إذا كان يمكن بلوغ سياسة وطنية مستقلة ولو جزيئاً، فى مجتمع مقسم طبقياً ينهض على الملكية والامتيازات.
ومن المؤكد أن نفس الضروات الملحة وما يماثلها، مثل تهدئة الشعب العامل، وتنظيم الاستهلاك، تلبية تشوق الطبقة الوسطى إلى الصعود، وفوق كل شىء الحفاظ على النظام، هى التى تكون مائلة فى جميع مجتمعات السوق – متقدمة ونامية وتلك التى ما زال يتعين عليها السير فى طريق النمو، ولذلك فمن المحتمل أن ما يحدث فى أى اقتصاد ينهض على السوق سواء فى المنطقة المحيطة أو شبه المحيطة لا يتعدى درجة التقليد ومدى التغلغل والسيطرة فى ارتباط بالمستوى الإنمائى..
وعلى الرغم من ذلك، فقد يكون من المفيد تقديم وصف وجيز لعدة نهوج عامة تفضى إلى تحقيق الاستقلال التكنولوجى ويمكن تطبيقها فى مجتمعات توجد بها قاعدة اشتراكية على أقل تقدير.
وإذا ما انطلقنا من التسليم بأن التكنولوجيا والعمليات المرتبطة بها إنما تبدأ فى نطاق الاحتياجات المنتظمة للطبقة السائدة فإنه يترتب على ذلك أن الاحتياجات المنتظمة للطبقة السائدة فإنه يترتب على ذلك أن الاحتياجات الأصيلة للأمم الضعيفة والتابعة والتى تقع فى المحيط الخارجى لن تنال اعتبارها من قبل منتجى التكنولوجيا الجديدة ومصدريها.
ومن المفيد هنا الاستعانة ببعض الإحصاءات: وقد لاحظ مولانا Mowlana "أن ثمانية وتستعين فى المائة من البحوث العلمية والتكنولوجية تجرى فى الوقت الراهن فى الدول المتقدمة – وتسير هذة البحوث على هدى تجاربها الخاصة – وأن نسبة واحد فى المائة فقط من هذه البحوث يوجه لدراسة المشكلات الخاصة بالبلدان النامية".
كما أن برنامج الفضاء يعد مثلاً صارخاً على التكنولوجيا التى تخدم الأقوياء حالياً، وإن كانت تعد بمزايا ضخمة للضعفاء.
ولاحظ تقرير لصحيفة نيويورك تايمز أن "الأمم المتحدة ذاتها لا تتوفر لديها القوى العاملة الفنية ولا الموارد المالية لمعاونة البلدان (الأفقر) فى الانتفاع بالمكتشفات الجديدة، وفى الوقت الراهن فإن الميزانية السنوية لبرنامج الفضاء التى تبلغ 77000 دولار من المفترض أنها تغطى النفقات التى يستلزمها إطلاع مائة بلد على جميع نواحى الاستخدامات الفضائية"، وعلى سبيل المقارنة، فإن وكالة الفضاء الأمريكية (NASA) يوجد تحت تصرفها فى عام 1975 مبلغ 2.5 مليار دولار.
فهل يكون من المستغرب إذا ألا تحصل الدول الأضعف إلا على ما يتيحه لها أرباب الهيمنة؟ ولكن إذا كان على الدول الخاضعة للسيطرة ألا تثق وألا تعتمد كثيرا على – الخدمات الجليلة ومجموعة الآلات التى تزودها بها مصادر الإمداد القوية، فماذا فى مستطاعها أن تفعل؟ وإيجازاً، فإنها، تسيطيع الاعتماد على الذات، فذلك هو السبيل الوحيد، الذى يمكن أن يكفل للدول الضعيفة ألا تكون فى حالة تبعية دائمة للمحسنين إليها.
وما العناصر التى تتكون منها سياسة الاعتماد على الذات؟ يتضح أحد أبعاد هذه السياسة إذا ما افترضنا مجتمعا تمكن من القضاء إلى حد كبير، إن لم يكن كلية، على الرأسمالية وأرسى بعض القسمات الأساسية للاشتراكية مما يعطى أولوية قصوى للتخطيط المركزى والرقابة الصارمة على الحياة الاقتصادية – وسوف تؤثر هذه الإجراءات تأثيراً بالغاً على تدفق التكنولوجيا.
وسوف تعمل هذه الإجراءات على تنظيم الواردات والصادرات وكمية الاستثمارات الأجنبية (إن وجدت) ومستوى الاستهلاك الشخصى ونوعيته (بما فى ذلك استهلاك المعلومات) وعلى أقل تقدير ضبط، والحد من السياحة، والأنشطة المماثلة التى تشوه بنية الاقتصاد وسلوك الاقتصادى وسلوك البشر، وهذا الاعتماد على الذات:
"سوف يتضمن استخدام موارد الأمة من أجل الوفاء بالقيم الاشتراكية الثلاث أى توفير ضرورات الحياة والعمالة والمساواة، ولن تهدر الموارد فى استهلاك حفنة من الأفراد لسلع الرفاهية والكماليات الغربية، وسوف تخصص بدلا من ذلك لإنتاج وتوزيع الأغذية والرعاية الصحية، والمساكن والمدارس بحيث يستفيد منها الجميع".
وسوف تسمح هذه الأولويات بتحقيق منافع أخرى مهمة، وتتيح بصورة آلية إيجاد متنفس والتوقف برهة قبل الاندفاع فى اتجاه نقل التكنولوجيا واستخدامها دون تقييم وترو، وهو ما يمكن أن تتيح، بصورة انتقائية، ايجاد وسيلة عملية أساسية لتقييم ما قد يكون مجدياً فى نطاق العمليات والمنتجات التى تعرض بفخر وزهو ويكثر تقديمها بنشاط فى الغرب المعدى تكنولوجياً.
وتنطبق تحذيرات فرانز فانون على جميع من يحاولون ترسم خطى نموذج التنمية الغربى مستقبلاً:
"نستطيع أن نفعل اليوم كل شىء ما دمنا لانحاكى أوروبا، ما دامت لاتستحوذ علينا الرغبة فى اللحاق بأوروبا.... ولقد قررت مستعمرة أوروبية سابقة منذ قرنين من الزمان اللحاق بأوروبا ونجحت فى ذلك تماماً بحيث غدت الولايات المتحدة الأمريكية وحشاً ترعرعت فى داخله شوائب أوروبا وأمراضها ولا إنسانيتها واكتسب أبعاداً مروعة، نحن لانبغى اللحاق بأحد وما نريد أن نفعله هو السير قدماً، طوال الوقت، ليلا ونهاراً، فى رفقة الإنسان وبصحبة جميع البشر، ولايحسن أن تتضخم القافلة وتتمدد لأن كل صف فى هذه الحالة سوف يصعب عليه رؤية ما تقدمه... ولابد من قلب صفحة جديدة ويتعين أن نستنبط مفاهيم جديدة ونحاول أن نجعل إنساناً جديداً يقف على قدميه".
وهل الانتقائية التى تتمثل فى التقاط واختيار عمليات ومنتجات البلدان الرأسمالية الاحتكارية من أجل تطبيقها محلياً تعد اختياراً مجدياً؟ إن أكثر ما يمكن قوله فى هذا الصدد هو "ربما"، غير أنه حتى "ربما" يمكن أن تنطوى على قدر كبير للغاية من الثناء والتقدير، ما لم تكن عملية الانتقاء مصحوبة برؤية عامة واضحة، وفى مثل هذه الرؤية العامة فإنه يجب على المجتمع الوطنى وقيادته بذل الجهد بصورة مسبقة حتى يمكن تحديد مستقبل الرجال والنساء وتحديد مكانة البشر فى الاقتصاد والأهداف الأساسية التى ينبغى للمجتمع نفسه تحقيقها، ولقد لاحظ دالاس سميث Smythe الذى أمعن التفكير فى هذه الموضوعات "إنه لا توجد طرق اشتراكية فى التنمة التكنولوجية الرأسمالية الغربية".
والواقع أنه لا يوجد مركز للمشتريات متاح، تعرض فيه الآلات والعمليات والسلع المحايدة التى توافق هوى واختيار من يحتمل اشتراكهم فى "سباق التنمية".
ولا يمكن بأى حال اعتبار أن ما يعرض هو المطلوب، وإذا ما وجد مثل هذا التماثل (التطابق) فهو أمر عرضى، ويمكن بل يبغى الاستفادة منه غير أن التفكير السليم يفترض بأن هذه المنفعة المتبادلة المحظوظة لايمكن إلا أن تكون توافقاً غير متواتر، وهذا ما لاحظه Alisjahbana بقوله:
"... إن مسألة ما اذا كانت التكنولوجيا الملائمة والوسيطة أو التكنولوجيا البديلة متاحة لأقل البلدان نمواً لا ينبغى أن تعتمد على مسألة ما إذا كانت هذه التكنولوجيا متاحة فى العالم أو فى الأسواق الأجنبية، ويجب أن يحسم هذه المسألة مفكرو هذه البلدان ومعاهد البحوث فيها بوصفها أحد العناصر المكونة لحلقات التنمية، وذلك بمعاونة كافة المفكرين التقدمين المحتملين فى العالم المتقدم".
إلا أنه من الحقيقى أن المشكلات تبدأ من النقص فى المؤسسات والأفراد الذين يتسمون بالكفاءة والمهارة فى التقييم وإذا لم تكن التبعية فى المجال التكنولوجى مطلقة للغاية فإن المخاطر يمكن أن تكون أقل بكثير ويسهل تصور البدائل.
ولقد استرعى جوان كورادى Corradi الانتباه إلى حالات الوهن والتبعية المسيطرة على مجالات العلم والجماعات العلمية فى أمريكا اللاتينية، مثلا، وهى وجه آخر لحالة التبعية والاستغلال العامة، ويصف كورادى ما يطلق عليه النزعة العلمية "Scientism" وعواقبها بالنسبة لدول أمريكا الجنوبية:
"تشير النزعة العلمية اليوم، إذا ما استخدمنا تعبيرات واقعية، إلى الحالة التى يوجد فيها علماء أمريكا اللاتينية الذين تواءموا مع السوق العلمية العالمية – والتى تسيطر عليها فروع متقدمة للغاية من فروع المعرفة – والذين تخلوا عن الاهتمام بالمنظمات الاجتماعية والثقافية لأنشطتهم فى سياق تبعية أمريكا اللاتينية، وتنصب مجهوداتهم على بحوث متخصصة ويقبلون الأهداف والمعايير التى أرستها المراكز الدولية، ويتمخص هذا الوضع عن بعض النتائج المهمة، من بينها أن النزعة العلمية تدعم التبعية الثقافية وغيرها من ضروب التبعية فى كل بلد وكذلك فى "استنزاف العقول" على الصعيد الداخلى للبحث والتنظيم العلمى فى كل بلد وكذلك فى "استنزاف العقول" على الصعيد الدولى من المناطق التابعة إلى العواصم الكبرى، ويقع "العلميون" فى بلدان أمريكا اللاتينية فريسة للإحباط على الدوام، وإن أولئك الذين تخصصوا فى البحوث الأساسية والذين يطمحون إلى الانضواء تحت راية الدوائر العليا فى الأوساط العلمية العالمية كثيراً ما يصيبهم الإحباط بسبب العوائق التى لا تحصى فى بلادهم، تنظيمية كانت أم ثقافية: بدءا من الارتياب السافر أو عدم التشجيع الرسمى حتى افتقاد الأموال والمعدات وكذلك الأمن الدائم.
ويحاول الكثير منهم، تملصا من كل هذه الإحباطات، تدعيم صلاته وتوثيق عراها مع المؤسسات الأجنبية العاملة فى الخارج، أو فى داخل بلادهم، والتى لا تتفق أولوياتها بأى حال مع أفضل مصالح بلدان أمريكا اللاتينية.
كما أن علماء آخرين قد عملوا على إضعاف شأنهم وأصبحوا جامعى بيانات لمعالجتها فى أماكن أخرى أو أنهم يطبقون محلياً نتائج البحوث التى أجريت فى أماكن أخرى.
ويتجهون لأن يصبحوا deintellectualized كلية بأكثر من كونهم باحثين أساسين، بمعنى أنهم يصبحون من المتخصصين فى المسائل العلمية ليس إلا.
ويتوازى هذا المازق الفكرى بصورة مذهلة مع كوكبة العناصر الاقتصادية المكونة للتبعية و تغدو بلدان أمريكا اللاتينية منتجة للبيانات الأولية ومصدرة للعاملين المؤهلين".
وهل من المعقول – توقع أن يكون فى مستطاع هذا الوضع إثمار النوع المطلوب من الانتقائية فى المسائل التكنولوجية حتى يمكن التغلب على حالة التبعية؟
يصعب تصور هذا الأمر وأن ما يمكن توقعه من مراكز التنمية الرأسمالية المتقدمة أقل من ذلك أيضاً.
ومهما كان نوع التقييم الذى يجرى هناك، فقد اضطلعت به نفس الجماعات والمصالح التى تسيطر على البحوث والمنتجات التى يحفزها البحث العلمى.
وعوضاً عن إجراء التقييم حالياً فإنه كثيراً ما يبذل الجهد فى الولايات المتحدة على الأقل للحيلولة دون دراسة الآثار الممكنة للتكنولوجيا الجديدة فى الأجل الطويل..
ولعل حالة البث المباشر عن طريق الأقمار الصناعية تلقى الأضواء على ذلك.
وعلى الرغم من أنه لا يزعم أحد الآن بأن الإرسال من توابع الفضاء الصناعية إلى أجهزة الاستقبال المنزلية موقع على الفور فإن التكنولوجيا معلومة وقادرة على بناء هذه التوابع.
ومن ثم، لم يكن من المستغرب، أو المزعج، أن تعرب أمم كثيرة عن شديد قلقها بشأن النتائج المحتملة للبث المباشر عبر التوابع الصناعية فى وقت ما مستقبلا.
فهذا القلق إنما هو بمثابة تطور طبيعى للوضع الراهن الذى يسيطر فيه حفنة من تكتلات وسائل الإعلام فى البلدان الرأسمالية الصناعية الغنية على تداول الأنباء والأفلام والمجلات وبرامج التليفزيون وغيرها من المواد على الصعيد الدولى.
وأن الجهود التى بذلت فى إطار اليونسكو والأمم المتحدة لعرقلة الاستحواذ الكامل للبث المباشر عن طريق التوابع الصناعية من قبل هذه المصالح التجارية نفسها عارضتها بشدة الولايات المتحدة.
وقد كان موقف الولايات المتحدة، الذى يعبر تعبيراً مباشراً عن مصالح تكتلات وسائل الإعلام فى أمريكا الشمالية هو أن "أى اتفاق دولى بشأن المبادىء التى يحسن أن تنظم البث عن طريق الأقمار الصناعية سابق لأوانه".
ووفقاًًً لهذا الرأى فإن:
"المهمة المباشرة لا تتمثل فى وضع مبادىء لاتفاق دولى وإنما تتمثل فى إجراء تجارب البث عبر الأقمار الصناعية حتى يمكن التوصل إلى كنه ما تنطوى عليه من كامل الإمكانات فى خاتمة المطاف، وتطوير روح وأساليب التعاون الدولى فى هذا المجال، ورأت الولايات المتحدة أنه ما تم التعجيل بإصدار القواعد فإنها يمكن أن تعمل على تجميد تطور البث عبر الأقمار الصناعية.
وباختصار، فإنه (فى رأيهم) لا ضرورة لأى قواعد أو تقييم ولندع التكنولوجيا تنتشر، وإن موضوع التنظيم والسيطرة لا يغدو مشروعاً إلا بعد أن خلقت التكنولوجيا لزومياتها التى لا يمكن اجتبابها، وفقا لبنية الهيمنة التجارية السائدة، وبذلك يكون النموذج قد ارسى دعائمه مما يواجه واضعى القواعد بالأمر الواقع اقتصاديا وتكنولوجيا.
ولقد تأمل إدوين باكر E. Parker فى المشكلات التى تواجه أولئك الذين يرغبون فى استخدامات التكنولوجيا بصورة بناءة ومتقدمة فكتب يقول:
"يمكن لب المشكلة فى المؤسسات الاجتماعية التى تسيطر على تطور التكنولوجيا وتوزيعها... وتشكل المؤسسات الاجتماعية التى استحوذت على التكنولوجيات المهمة فى عصرنا أو نمت من حولها النظام السائد فى المجتمع..
وسوف يتضمن تغيير تكنولوجيا المواصلات الأرضية (مثلا) تغيير صناعة السيارات ومورديها (بما فى ذلك صناعة الصلب) وصناعة البترول ونظام ضريبة الجازولين الذى ينطوى على أسباب دوامه واستمراره والذى يساند الحلقة المطردة من عملية التشييد الواسعة النطاق على حساب الأشكال الأخرى من وسائل الانتقال".
ويختتم باركر قائلا "إنه قبل أن يمكن إجراء تقييم للتكنولوجيا فى الدول الرأسمالية المتقدمة فلابد من إحداث "تغيير فى المؤسسات الاجتماعية".
وخلاصة القول إن التقييم للتكنولوجيا يغدو مستحيلا بسبب الغلاف السائد من المؤسسات الاجتماعية التى تدعم، وتسيطر فى الوقت الراهن على، البحوث والتنمية..
بيد أن الأزمة البيئية المتصاعدة فى الولايات المتحدة شرعت تثير ضرباً من القلق فيما يتعلق بضرورة إجراء هذا التقييم – وهو تقييم ينبغى أن يتحدى طبيعة التكوين الاقتصادى الأساسى.
ولقد كتب، مثلا، روث دافيس Davis مدير معهد علوم وتكنولوجيا الحاسب الإلكترونى التابع للمكتب الوطنى للمعايير:
غير أنه يبدو الآن بجلاء تام أن صبر الجمهور على العلاج الذى يعقب المرض عادة قد تبدد.
ويريد الجمهور اتخاذ بعض التدابير الوقائية ولقد اضطلع الأفراد مثلاً بما يمكن تسميته بالتكنولوجيا الوقائية.
فرأينا الجمهور يعمل فى هذا السبيل عند تناوله قضية وسائل الانتقال الأسرع من الصوت وردود فعله تجاه مواقع مصانع الطاقة النووية.
وهذا هو نمط التفاعل لممارسة التكنولوجيا الوقائية، وهو رهن باعتراف الجمهور بأن التكنولوجيا غير معصومة من الخطأ.
غير أنه من المهم فى ممارسة التكنولوجيا الوقائية الإقرار أيضاً بأن العلم كان السبب الأساسى فى التغييرات المفيدة التى حدثت عبر التاريخ الإنسانى".
"ولقد حان الوقت للقيام بصياغة التكنولوجيا الوقائية وتحديد شكلها بوصفها تخصصاً علمياً ويجب أن يكون هذا الميدان الجديد مأهولا بالاقتصاديين والقانونيين والتكنولوجيين و العلماء..
ويتعين ممارستها أثناء كامل العلمية التى تجرى فيها بحوث التكنولوجيا وتجديداتها واستخدامها وانتشارها وتأثيرها.
وسوف تزيد من إمكانات العلم وهدوء بال عامة الناس ويمكن أن تحظى بقدر من التركيز أكبر مما يناله تقييم التكنولوجيا أو السياسة العلمية ومن الصائب التكهن بأن التأخير فى إيجاد التكنولوجيا الوقائية بوصفها تخصصاً علمياً يؤمن بحدوث أضرار تصيب العلم وتؤثر على التغيرات النافعة للمجتمع فى مستقبل الأيام.
وإن البلدان التى شقت دروباً جديدة- أى تلك البلدان التى غيرت فعلا مؤسساتها الاجتماعية الأساسية – قد يشق عليها أن تقيم، فى تعبيرات فنية، تأثير التكنولوجيا والعلميات المتقدمة التى تطورت فى الغرب، غير أنها تستطيع تقييم البنية الاجتماعية للنظام الذى يخلفها، فضلا عن ذلك، فإنه يمكنها أن تفهم أفضل من غيرها احتياجات شعوبها، وينبغى أن تكون أهدافها الاجتماعية واضحة بجلاء لبس فيه.
وتلك هى أدوات عامة للغاية بالفعل لوضع السياسة التى يجب تناولها بتحديد قاطع وآلات معقدة، وقد يكون مفيداً تكرار أنه على الرغم من الطابع الملح للاحتياجات البشرية الواسعة التى لم يتم الوفاء بها فإن الموضوع الأساسى يتمثل فى أن الحذر أمر إلزامى.
وأن مجرى التنمية الذى لايمكن النكوص عنه والذى قد يفضى، فى أحسن الأحوال إلى محاكاة مبتذلة لما يوجد ويعمل على نحو يسبب كوارث بالغة، من وجهة نظر إنسانية، فى قطاع الرأسمالى المتقدم من العالم، لايحقق نفعاً للشعب الذى يتطلب بإلحاح واستماتة، تحسين أحواله المادية، كما لاحظنا فى مستهل هذه المناقشة، تعد التكنولوجيا فى حد ذاتها شكلاً قوياً من أشكال الاتصال وليس مجرد قناته الوحيدة للبث والإرسال.