الفصل الثامن الدعاية تتخذ شكلاً علمياً
أولا : الدعاية التجارية Commercial Propaganda
لقد غدت الدعاية التجارية تلعب دوراً حاسماً فى الحياة الاقتصادية، وتعيرها الشركات والمؤسسات والدول والأفراد عناية كبيرة لخطورة الآثار التى تترتب على حسن استغلالها.
وأكثر ما يستخدم الإعلان فى الدول الغربية للأغراض الاقتصادية دون سواها أى بغية اكتساب الأرباح المالية، لذلك تنفق دول الاقتصاد الغربى أموالا طائلة فى الإعلان بشتى الوسائل لتحقيق غرضها منه.
ويلاحظ أن الدعاية التجارية تعتمد أساسا على المهارة فى طرق البيع والإعلان، والفارق بينهما هو الاتصال بالأفراد أو الاتصال بالجماعات.
وأهم من ذلك الاتصال الشخصى الذى يتوقف على شخصية رجل الدعاية وقدرته على الإقناع، فينبغى أن يكون البائع ساحر الشخصية لحوحا بلباقة قادرا على الجدل، أما الإعلان فى الصحف واللافتات والمنشورات والتليفزيون والإذاعة فيجب أن يؤدى إلى اجتذاب عواطف الجماهير لا تفكيرها.
ثانيا : الإعلان Advertising
الإعلان من الأمور التى يدق فهمها على أذهان الكثيرين بسبب التداخل بين معنى الإعلان وبين الدعاية، إذ لم يكن هناك حتى العصر الحديث ما يميزهما تقريباً .
لهذا يجب أن نميز بين النوعين، وإذا أردنا أن نصل إلى فيصل التفرقة على وجه التقريب قلنا إن الدعاية هى فن التأثير على الجماهير لاستمالتهم نحو هدف سياسى أو أدبى وليس هدفا تجاريا، ومن هذا نرى أن الدعاية تستهدف التأثير على سلوك الفرد، لمحاولة إقناعه بعقيدة معينة أو فلسفة خاصة.
ووجه الدقة يتضح فى أن الدعاية تسترشد أحيانا بما أحرزه الإعلان من ضروب النجاح فتطبق نظما تعتقد أنها تحلو للجماهير ولا تفترق فى بعض صورها عن الإعلان فدعاية قيصر وشرلمان ولويس الرابع عشر كانت لونا من ألوان الإعلان الشخصى.
لذلك قيل "إذا كان القرن العشرون يوصف بحق بأنه قرن انتشار الإعلان، فإنه ورث فرصة قيمة لتشجيع هذا الاتجاه من القرن المنقضى".
أما الإعلان فإنه يستهدف إغراء المستهلك باقتناء سلعة معينة وتفضيلها على ما عداها، ولقد استطاع الإعلان أن يرتفع إلى مستوى التطور، فلم يلجأ إلى الوسائل المكشوفة، وإنما غدا يلتمس سبل الايحاء والتأثير غير المباشر، ولذلك أصبحت الشعارات، والصور الأخاذة، والتكرار من السمات المميزة للفن الإعلانى، فلم يعد الإعلان أخبارا، وإنما تطعم الفن الإعلانى بالأبحاث العلمية السيكولوجية والفسيولوجية، والتحليلات النفسية مستغلا كل الغزائز والميول الفطرية عند الإنسان.
لذلك ينبغى على المعلنين الذين يرغبون فى معرفة كنه الجمهور الذين هم بسبيل ملاقاته أن يعتمدوا على إدارات أبحاث الآخرين.
ولهذا أصبح الإعلان على أعتاب تطور جديد يضفى عليه ما يجعله علما قائماً بذاته، ولقد كانت نتيجة هذا التطور فى الإعلان أنه أمكن السيطرة فى كثير من الأحيان على ميول وحواس الشخص وفرض نوع معين من السلع عليه، بل أكثر من ذلك، أصبح فى وسع الفن الإعلانى أن يفرض على الشخص أفكارا يعتقد أنها نابعة منه شخصيا، وما الحملات الانتخابية والاستعراضات المصحوبة بالموسيقى وغيرها من وسائل الإغراء إلا أمثلة على هذا الذى قدمناه.
وقلما يوجد اليوم أدنى شك فى أن الصورة تستطيع خلق قوة مشوقة عالية، بجانب ذلك فهى تساعد على الايضاح، كما أنها عون للذاكرة.
ثالثا : التعليم Instruction
إذا كانت الدعاية تلاحق الفرد بوسائل التأثير المختلفة والايحاءات المتعددة حتى تستميله إلى وجهه نظر خاصة، بصرف النظر عن سلامتها أو عدم سلامتها فإن التعليم يحاول أن يطبع الفرد بطابع الاستقلال فى حكمه على الأشياء وعن طريق الاستقرار والاستنباط، وإن شئنا بتعبير أدق قلنا إن التعليم هو عملية تنشئة اجتماعية.
ويرى الأستاذ ريتشارد س. لامبرت Richard Lampert فى كتابه المسمى " الدعاية" أن الخط الفاصل بين التعليم والدعاية يصعب رسمه إلى الدرجة القصوى، أى بدقة شديدة.
وهذه الحقيقة التى يقررها لامبرت تحتم علينا أن نزيل ما قد يغشى البصر حول الفوارق بين التعليم والدعاية، لأن البعض يتوهم خطأ أن ثمة تناقضا بين التعليم والدعاية، والواقع أن التعليم فى حقيقته يمكن أن يكون نوعا متساميا من الدعاية يستهدف مصلحة المجتمع وخير المواطنين، ذلك أن التعليم والدعاية يلتقيان سويا عند الهدف الذى يسعى كل منهما إلى تحقيقه فى محيطه الخاص وان اختلفت بعد ذلك الأساليب .
فالتعليم فى سعيه المتواصل إنما يهدف إلى طبع الأفراد بطابع خاص يؤدى بهم إلى نوع معين من السلوك يطابق تقاليد المجتمع ويتمشى مع روحه حتى يستطيع الفرد مع الزمن أن يكون ذا رأى خاص فى حكمه على الأشياء دون تحيز أو محاباة.
فالتعليم نوع من الدعاية عل درجة من السمو والرقى، يستهدف الصالح العام ويربأ عن المصالح التجارية والأغراض الخاصة.
ومع ذلك يجب أن نصطنع الحذر، ذلك أن ستار التربية قد يحجب عن أنظارنا الكثير من المبادىء الأخلاقية والدينية والسياسية التى تفتقر إلى السلامة والبراءة. ولعل هذه المخاوف تتجلى بصورة خاصة فى تربية الأطفال فقد يتسرب الكثير من صور الدعاية الدينية إلى مناهج التعليم فى المدارس غير الطائفية، وان تكن غير ملموسة و لا ظاهرة للعيان.
وهذا على نقيض ما يحدث فى المدارس الطائفية التى تشترط فى أعضاء التدريس فيها مؤهلات دينية خاصة تتلاءم وأغراضها الخاصة، ومثل هذه المدارس تحرم غالبا من معونة الحكومة التى تفرق بين الدين والدولة – أى العلمانية – إذ إن مثل هذه الدولة لا تشترط فى أعضاء التدريس إلا المؤهلات التربوية فحسب.
ولعلنا هنا فى أفريقيا ندرك أكثر من غيرنا خطورة مثل هذه المدارس التبشيرية التى تتخذ الدين ستارا لأغراض أخرى استعمارية وبعيدة عن الدين، لكى تكون طليعة لغزو عسكرى أو استعمارى اقتصادى لاسيما فى أواسط أفريقيا.
والحقيقة التى لا تخفى هى أن برامج المدارس الوطنية تنطوى على قدر كبير من الدعاية إذ إنها تحاول جهدها أن تغرس احترام شخصية رئيس الدولة والتقاليد ونظام الحكم فى نفوس الناشئة وإن تكن المعلومات التى تفيض بها الكتب المدرسية لا تواكب ركب التطور وتتخلف عن الاختراعات المستحدثة.
الرمز فى اللغة :
ان اللغة تعتبر إحدى الركائز التى تقوم عليها الدعاية والاعلام لأنها الأداة التى يستطيع بها الأفراد أن يتفاهموا ويتعارفوا، وهى لذلك تعتبر من أكثر الأشكال الرمزية استفادة من سنة التطور، وأكثر هذه الأشكال أيضا حساسية وصعوبة.
ومن الأهمية بمكان أن نلفت الأنظار إلى الدور الدعائى والاعلامى الخطير الذى تقوم به الامتحانات، فما دام التلاميذ يحاولون جهدهم أن يتملقوا عواطف الممتحن، ويستدروا عطفه، وذلك بالأجابة على الأسئلة إجابة يؤملون ويهدفون إلى أن تحوز اعجاب المدرس، وما دام المدرسون الذين يكون بيدهم أزمة الامتحانات من ذوى الخبرة المسنين، فإن النتيجة الحتمية لهذا، هى أن هولاء المدرسين سوف ينزلون عند منطق التقاليد والاتجاهات التى تسود المجتمع والتى يظنون أنهم قوامون على الحفاظ عليها، حتى ولو كانت هذه الأمور محل نظر وعليها أكثر من اعتراض .
كذلك نلاحظ أن المدرسة الخاصة (كما تسمى فى انجلترا) تقوم بدور آخر فى هذا الصدد إذ إنها تتبنى الاتجاهات وأساليب الحياة وأنواع السلوك التى تروقها والتى ترى أنها محبوبة بالنسبة لبعض أفراد الطبقة المتوسطة أو الراقية، وهى من أجل ذلك تقيم الحواجز والسدود بين أولئك الذين يتحملون أعباء تعليمهم، وأولئك الذين تحمل عنهم الدولة هذا العبء، ومن أساليبها الخاصة طبع الأفراد بطابع رهبانى عن طريق المعلومات الجنسية الموجهة، التى تهدف من ورائها إلى كبح جماح الغزيرة، وكذلك بالرياضة المفتعلة.
أوجه الشبه بين التعليم والدعاية:
لعلنا بعد هذا الاستعراض لطبيعة كل من الدعاية والتعليم نستطيع أن نستخلص بعض أوجه الشبه بين النوعين، وأول هذه الأوجه أن كلا من الأمرين عملية تلقين لها نفس الوسائل والمقومات من طالب علم، وملقن ومادة ووسيط، والوجه الثانى أن اللغة تشكل عنصرا هاما فى الأمرين ولذلك يقول أمريكى بشركة أرامكو العربية : "لا يهمنى من تكون فى الشرق الأوسط فستكون شخصا ثانويا ما دمت لا تعرف العربية".
كذلك من أوجه الشبه بين الأمرين أن كلا من الدعاية والتعليم يتخذ كوسيلة لإحراز غرض ما ونشر مبدأ أو هدف.
وفيما عدا هذا تظل بعض الفروق بين الدعاية والتعليم، فالتعليم يهدف من وراء تلقين الطالب للمعلومات إلى أن يكسبه القدرة على أن يصدر حكما مستقلا وذلك بالمعلومات المنزهة عن الغرض والهوى، أما الدعاية، وإن تكن معلوماتها صحيحة، إلا انها معلومات موجهة ومعدة بوسائل تترك أثرها فى الفكرة أو الرأى الذى يتكون عند الشخص بصورة تخدم الهدف الذى يتوخاه رجل الدعاية.
كذلك فإن التعليم يفترق عن الدعاية فى أن الأول يتمشى مع التاريخ الاجتماعى والتراث القومى والتقاليد التى تسود فى المجتمع، حتى يسلم من التناقض فى المستقبل ولذلك فإن ثمرة التعليم لا تظهر إلا فى المدى الطويل الذى يتناسب مع عمر الفرد، وبينما الدعاية تستجعل الثمرات كما يقول "لاسكى" فإن التعليم لا يتعجلها.
الدعاية تهدف إلى تحقيق ما يجب أن يفكر فيه الفرد، بينما يهدف التعليم إلى الكيفية التى يفكر بها الفرد .
ولهذا بتنا نؤمن أن التعليم يحسن استغلاله كوسيلة من وسائل الإعلام حتى نستطيع أن نحرز ما رسمناه من أهداف تتبلور فى الاستقرار الداخلى والسلام العالمى، ولن يتحقق ذلك إلا إذا استهدفته السياسية التعليمية.
فمثلا كان الفارسيون والهنود فى طليعة الشعوب الأعجمية التى تعلمت اللغة العربية وجعلت من الكتابة العربية وسيلة لأداء ما يكتبونه من لغاتهم لأنهم كانوا أسبق إلى اعتناق الإسلام من سواهم ولذلك وجدنا التفاهم بواسطة اللغة ساعد مساعدة كبيرة فى تحقيق السلام والاستقرار.
رابعا : الثقافة Culture
وكما رأينا أن الدعاية اتفقت مع التعليم فى بعض المظاهر والوسائل واختلفت معه فى بعضها الآخر، كذلك شأن الدعاية مع الثقافة، فكلا الأمرين يستهدف التأثير على موقف الكائن البشرى ودفعه فى طريق تنتهى به إلى التصرف على نحو معين، غير أن الثقافة تستهدف الإخضاع والتأثير.
والثقافة نمط من العيش والفكر تسيرعليه الجماعة، ذلك النمط الذى يختلف من جماعة إلى جماعة، والذى تعتبر معرفته أساسية حتى يمكن للدعاية أن تقف على منافذ التأثير التى تنفذ منها إلى هذه الجماعة أو تلك، ولأن الثقافة تمثل نمطا خاصا من المعيشة والفكر والسلوك عند الجماعة، رأينا أغلب علماء الاجتماع يميلون إلى الاعتقاد بالحقيقة القائلة بأن الحضارة هى الثقافة ولا فارق بين الأثنتين.
والدعاية من أجل هذا شديدة الميل إلى استغلال ألوان الثقافة المختلفة لتحقيق أغراضها كالقصة المسرحية والأقصوصة إذ يمكن لكل لون من هذه الألوان أن يكون مرتعا خصبا لرجل الدعاية الذى يتخذها وسائل للتأثير على الجماهير لاسيما الأقصوصة بوصفها أخف ألوان الثقافة، وأقرب ألوان الأدب إلى الطبيعة البشرية البسيطة، لأنها تعبير عن الحقيقة القائلة "إن خير الكلام ما قل ودل".
لذلك لا نعجب من انتشار هذا اللون من الأدب سواء فى الكتب السماوية أو فى الأوساط الشعبية أو حتى بين الأسرة فى أشكال مختلفة وألوان متعددة وقلما يسلم رواد المسرحية أو قراء القصة من تأثير ضروب البلاغة، وصنوف الفصاحة التى يعظم ضغطها على العواطف واستدرارها لرضاء الشخص وحيازة قبوله، ونادرا ما يستطيع الشخص أن يسلم من هذا التأثير ويحكم حكما منطقيا منزها، وهذا على كل حال أمر يختلف باختلاف المؤلفين والكتاب الذين ينحو كل منهم منحى خاصا به.
ولعل الثورة البلشفية الروسية مدينة لفريق من الكتاب الذين ألهبوا خواطر الناس بكتاباتهم التى تضمنت غمزا ولمزا حينا، وهجوما سافرا أحيانا، ضد النظام الاقطاعى والقيصرى والظلم الاجتماعى، ومثل هذا النوع من التراث الفكرى لا يخرج عن كونه دعاية أفضت إلى الثورة البلشفية، ولذلك عندما استشعرت الحكومات خطر الثقافة لم تجد مناصا من فرض الرقابة عليها.
وفى رأينا أن الفارق الأساسى الذى يفصل بين الدعاية والثقافة هو أن الأديب أو الفنان إذا دق على أوتار العقل والمنطق كان مثقفا، أما إذا أثار الغرائز كان داعية، ومع ذلك فقد استخدمت الثقافة فى أغراض استعمارية كثيرة، فقد لجأت الدول الأوروبية إلى تهيئة نخبة من المثقفين لتنشىء بهم فى البلاد المستعمرة أنظمة لادارتها.
وليس هذا فحسب، بل لقد حاولت الدول الأوروبية أن تدعو لمدنيتها وتبشر بها لتضمن استمرار ولاء المواطنين فى تلك البلاد لها بعد أن يتأثروا بثقافتها الخارجية.
خامسا : إثارة الخواطر Agitation
أراد "لينين" أن يبين الفرق بين الدعاية واثارة الخواطر وذلك فى كتابه "ماذا نصنع؟"، ولكنه تنكب جادة الصواب فخلط بين الديمقراطية والثقافة.
وهذا بعض ما جاء فى الترجمة الفرنسية لكتاب لينين "Quoi Faire?":
من واجب الداعية حينما يتصدى لشرح مشكلة العاطلين أن يبين دور الرأسمالية فى الأزمات، وأن هذه الأزمات لا مندوحة عنها فى المجتمع الحديث، ويبين كيف تتحول الجماعة إلى مجتمع تسيطرعليه الرأسمالية، وعليه بوجه عام أن يتناول أفكار محددة، فهو حينما يعطى أكبر عدد من الأفكار لا يجد بين سامعيه من يطبقها ويهضمها إلا النزر اليسير".
ومن رأينا أن هناك علاقة قوية بين إثارة الخواطر التى سماها لينين "دعاية" وما هى فى الحقيقة بدعاية، وبين استقرار السلام والأمن، إذ كيف يمكن أن يتحقق بالاعلام الاستقرار الداخلى أو السلام العالمى إذا كانت هناك جماعات تنشر بوسائلها الخاصة موضوعات لإثارة الخواطر؟... لذلك يجب على رجل الاعلام معرفة نواحى إثارة الخواطر ليقاومها بكل الأساليب العلمية.
فالداعية المثير حينما يتناول موضوعا بعينه يختار الفكرة التى تكون معروفة أكثر من غيرها للجمهور والتى تهز مشاعره.. فمثلا إذا شرح مشكلة البطالة فإنه يتحدث عن أسرة بلا عمل، وأنها فريسة للموت جوعا، وهكذا.
وإذا تحدث عن العمال قال : "ليس للبروليتاريين شىء يفقدونه سوى أغلالهم وأمامهم عالم يكسبونه.. ياعمال العالم اتحدوا".
سادسا : الشائعات Rumours
والشائعات تعتبر من أهم الأسلحة فى أوقات الحروب بصفة خاصة لأنها تثير عواطف الجماهير وتعمل على بلبلة الأفكار ولها أهم دور فى الدعاية السوداء.
أما إذا استخدمت بعيدا عن الميدان الحربى فتسمى (الهمس) Whispering وإذا استخدمت الشائعات بغير قصد فتسمى ثرثرة أو دردشة Gossip، ويمكن أن تتضمن الشائعات بعض القصص أو النكت، وهى كثيرا ما تتغير وتتبدل أثناء تداولها، فقد يطلق رجل الدعاية شائعة من الشائعات فتصل إليه محرفة بعد وقت معين .
وكثيرا ما يجد رجل الدعاية أن من الصعب محاربة شائعة، فلو سكت عليها قد تزداد انتشارا، ولو حاول تكذيبها فسيجعل من لم يسمع هذه الشائعة يسمعها عن طريقه هو، ولذلك فإن الوسيلة المثلى لتكذيب الشائعة، إما أن تكون بطريق غير مباشر، أو بكشف مصدر الشائعة وقصد العدو منها، وهذا يتطلب مهارة من رجل الدعاية، كما يمكن مقاومتها بوسيلة خلق الوعى القومى ضد شائعات العدو.
ويمكن تعريف الشائعة بأنها فكرة خاصة يعمل رجل الدعاية على أن يؤمن بها الناس كما يعمل على أن ينقلها كل شخص إلى الآخر حتى تذيع بين الجماهير جميعها.
ويجب أن تكون الشائعة قابلة للتصديق غير مبالغ فيها، وقد عملت مصلحة الاستعلامات المصرية فى حرب 1956 على القضاء على الشائعات بتخصيص أرقام تليفونات المصلحة لاتصال الشعب بهذه التليفونات لمعرفة الحقيقة بأسرع ما يمكن.
وبذلك يقضى على الشائعة بدون نشرها على الرأى العام .. بأن توقف مباشرة عند شخص السائل فى التليفون، كذلك عمدت المصلحة إلى إصدار نشرة فى الصحف تسمى نشرة "أكاذيب العدو" تتناول كل أكذوبة من الأكاذيب الفاضحة، وتعلق عليها تعليقا قويا، يزعزع ثقة الرأى العام فيما ينشره العدو.
سيكولوجية الشائعات :
والشائعات هى الأقوال والأحاديث والروايات التى يتناقلها الناس دون التأكد من صحتها بل دون التحقق من صدقها.
والشائعة ظاهرة سيكولوجية لها دلالة ولها معنى ولها دوافع خاصة دفعت إلى ظهورها وسببت سرعة انتشارها بين الناس، ويمكن تقسيم الشائعات إلى ثلاثة أنواع :
أولا: شائعات الأحلام أو الأمانى:
وهى تنتشر بين الناس لأن لهم حاجات ورغبات وأمال فيها وهى عبارة عن تنفيس لهذه الحاجات والآمال والرغبات.
ثانيا : شائعات الخوف:
وهى تنتشر فى وقت خوف الناس، فالإنسان فى حالة الخوف والقلق مستعد لأن يتوهم أموراً كثيرة لا أساس لها من الصحة، وهو مستعد لأن يفسر الحوادث العادية تفسيرات خاطئة يمليها عليه الخوف والوهم، كذلك فهو مستعد لأن يصدق كل ما يقال وله مساس بموضوع خوفه وقلقه، وتنتشر هذه الشائعات فى وقت الأزمات والحروب.
ثالثا : شائعات الكراهية :
وهى تصدر لتعبر عن شعور الكراهية والبغض ودوافع العدوان التى تجيش بها نفوس بعض الناس، وينتشر هذا النوع بين الأحزاب المتصارعة دائما.
كما أن الشائعات تنتقل بين الناس لأن البعض :-
- أولا : يميل إلى حب الظهور.
- ثانيا : الرغبة فى التأييد العاطفى والمشاركة فى المشاعر.
- ثالثا : التسلية والفكاهة وتضييع الوقت.
الشائعات والدعاية :
وتعتبر الشائعات وسيلة مؤثرة من وسائل الدعاية، ويوجد كثيرون يعتقدون بأن الشائعات لها نفس التأثير الذى للراديو أو الصحافة، ويمكن أن تستخدم الشائعات استخداما إيجابيا لتقوية موقف أولئك الذين يعملون لنشرها أو لتكسب لهم الأصدقاء، وهى من الناحية السلبية تحدث نوعا من القطيعة بين الناس وحكومتهم وتجعلهم يشكون فى عدالة قضيتهم، وبخاصة عندما تؤثر فى توجيههم.
ويجب العمل بكل الوسائل لمعرفة الدعاية التى تدعو للفوضى وعدم الاستقرار لمقاومتها، فالدعاية التى يتبناها الداعية الشيوعى مثلا مبنية على استغلال الصراع.. أى صراع داخلى ثم يعمل على تكبير هذا الصراع ثم يعمل على الإثارة بشعارات ثورية ثم ينشر الشائعات المختلفة عن هذا الصراع ويكثر من الوسائل التى تنشر هذه الشائعات مع ربط هذه الشائعات بالمطالب الرئيسية للشيوعية.
ونشر الشائعات منبعث من الطبيعة البشرية، وهذه الخاصية المميزة للإنسان كثيرا ما ينتج عنها ما نسيمه الشائعات الموجهة، وقد استخدم قواد جانكيز خان هذه الوسيلة فى الزهو بقواتهم، وارهاب أعدائهم، وكانوا يبعثون بالجواسس للعمل فى مراكز رياسات أعدائهم حيث يقومون بنشر الأحاديث بأن جيوش الخان مثلها مثل الجراد لا يمكن أن يحصيها العد، على حين ينشر جواسيس أخرون أن جنود جانكيز خان لا يعرفون إلا الحرب، حتى أن قادتهم يبذلون جهدا كبيرا فى تهدئتهم ومنعهم من القتال.
ونتيجة لهذه الشائعات وصف الأوروبيون –الذين كانوا يرتعدون خوفا من فرسان جانكيز خان– هولاء بأنهم جحافل لا حصر لها مع أنها فى الحقيقة كانت أقل عددا من القوات التى كانت فى البلاد التى قاتلتها.
وبالرغم من ازدياد وسائل النشر بالصحف، واختراع البرق والتليفون والراديو والتليفزيون، فإن شبكة الشائعات تؤثر فى الرأى العام فى وقتنا هذا بدرجة أكبر مما كان لها فيما مضى.
ولذلك يجب علينا ألآ نتوانى عن نشر الأخبار بصدق وصراحة وبصفة كاملة لأن الشائعة تنتشر دائما حينما لا تكون هناك أخبار.
وقد كانت الشائعات مشكلة تثير قلقا يوميا بالغا فى عامى 1942، 1943 اللذين سادهما التوتر فى الحرب العالمية الثانية ففى ذلك الوقت قدم مسئول كبير فى مكتب مصلحة الاستعلامات الحربية الأمريكية تعليلا لوجودها واقتراحا بكيفية السيطرة عليها وكان هذا التعليل وذلك الاقتراح صائبين إلى حد ما، فقد قال " إن الشائعة تنتشر إذا انعدمت الأنباء، ولذلك يجب علينا أن نقدم للناس أدق الأنباء الممكنة كاملة وبسرعة" .
والحقيقة أن الشائعة تترعرع فى حالة نقص الأنباء، ولذلك فإن عدم نجاح أية شائعة، إبان العدوان الثلاثى على مصر يرجع إلى إيمان الشعب بأن الحكومة كانت تزوده بأنباء الحرب كاملة ودقيقة، وبذا كان يحاط علما بكل الأحداث، فعندما يؤمن الشعب بأنه يعلم بأسوا الأمور قد لا يزيد الصورة عبوسا بابتداعه القصص البشعة غير الضروية لتفسير مخاوفه لنفسه.
ومن الحوادث الغربية فى تاريخ الشائعة انتشار القصص عن موت كثير من الأشخاص البارزين، ومن بينهم الجنرال مارشال وبينج كروسبى بعد مضى بضع ساعات على إذاعة نبأ وفاة الرئيس الأمريكى روزفلت فجأة فى شهر أبريل من عام 1945.
وإذا لم تكن الأحداث العامة جديرة بالنشر فيحتمل ألا تثور الشائعات، ففى بعض الظروف كلما بالغت الصحف فى نشر الأنباء –لاسيما الأنباء الخطيرة– ازدادت تشويهات الشائعات لهذه الأنباء.
شائعات " بيرل هاربور" :
فى يناير وفبراير من عام 1942 غمرت أمريكا شائعات مفزعة لم تتغير، وفحوى هذه الشائعات أن خسائر الأمريكيين فى الهجوم الذى تعرضت له "بيرل هاربور" أعظم بكثير مما اعترفت به السلطات، فزعمت بعض الشائعات أن الأسطول الأمريكى للمحيط الهادى قد غرق فى "بيرل هاربور" فى يوم 7 ديسمبر، وزعمت شائعات أخرى أن 1000 طائرة تم تدميرها على الأرض فى نفس اليوم.
والمعروف الآن أن التقارير الرسمية الأولى لم تكشف عن التقدير الكامل للخسائر التى تكبدها الأمريكيون فى "بيرل هاريور" لأسباب تتعلق بالأمن العسكرى، لذا انبعثت الأقاصيص عن الشك فى أن يكون الأمر كذلك.
ولما كان الناس لم يقفوا على الأنباء فإنهم لم يجدوا أى برهان يمكنهم من السيطرة على خيالهم الذى استولى عليه الفزع.
وقد انتشرت الأقاصيص وبلبلت الأذهان بحيث شعر الرئيس الأمريكى روزفلت بأنه يجب عليه أن يخصص جزءا من حديثه فى 23 فبراير عام 1942، للتنديد بهذه الشائعات المفزعة.
وفى ذلك الوقت لم يستطيع الرئيس الأمريكى أن يعلن القصة كاملة، غير أنه بذل أقصى جهده لتهدئة مخاوف الناس، بأن أذاع أكثر ما أمكنه إذاعته من الأنباء الحقيقية دون تعريض الأمن الأمريكى للخطر.
الدفاع ضد الشائعة :
ليس ثمة ما يدعو إلى الكثير من الدهشة أن المسئولين الرسميين والمواطنين المخلصين أصبحوا يفزعون من الضرر العظيم الذى تحدثه الشائعة فى الروح المعنوية للجبهة الداخلية.
فعلى الرغم من أنهم كانوا يؤمنون بأن ترويج الشائعة هو عرض طبيعى لابد من أن يصدر عن الأعصاب المتوترة فى زمن الحرب فإنهم لا يعرفون مدى تأثيره على الروح الانهزامية، وجمود الاحساس، والانقسام الداخلى فى الأمة.
وقد قام "روخ ويونج" فى زمن الحرب بدراسة عن انتشار الشائعة وتقبلها فى عام 1940، فوزعت بيانات معينة مقتبسة من إذاعات المحور مثل البيان التالى :
"فر أكثر من 300 مجند من قاعدة فورت ويكس بنيوجيرسى أخيرا" ووضع جدول به تقدير لرواج كل شائعة صادرة عن المحور فكان الجدول يشير إلى أن النسبة المئوية لعدد الأشخاص الذين تم الاجتماع بهم والذين سمعوا الشائعة فى نيويورك 8% وفى بوسطن 5.5% وكان حوالى 23% من أفراد العينة كلها قد سمعوا على الأقل عن إحدى الشائعات، ولكن هل صدقوها ؟
لذلك وضع جدول آخر يبين درجة تقبل الشائعات بسؤال كل فرد من أفراد العينة عما إذا كان يعتقد أن الشائعة صحيحة أو لا.. (هل كان قد سمعها من قبل أو لا) وكان معدل تقبل الشائعة فى مدينة نيويورك 9.4% وفى بوسطن 3.8 % وتبين أن انتشار الشائعة وتقبلها بين الفقراء أكثر من انتشارها وتقبلها بين هم أكثر ثراء، وكانت نسبة انتشارها وتقبلها بين من تعدوا سن الخامسة والأربعين أكثر من انتشارها وتقلها بين من هم أصغر سنا، وبين اليهود أكثر منها بين غير اليهود.
ويمكن تفسير ميل اليهود لتقبل الشائعات فى هذا البحث بأن معظمها من النوع الذى يقصد به التخويف الذى يمثل مخاوف اليهود وعدم شعورهم بالأمان فى أيام الحرب الأولى.
ولقد كانت الوكالات الحكومية التى تتعرف على الرأى العام فى جميع أنحاء البلاد الأمريكية حريصة على منع انتشار الشائعات الضارة ولكن المشكلة التى كانت تحيرها هى الإجراء الذى يمكن اتباعه فى هذا الشأن، فقد رأينا فى إحدى المناسبات الرئيس الأمريكى ذاته يتحدث فى الراديو فينفى شائعة معينة، كما أشار فى أواخر أيام الحرب بصراحة إلى بعض الشائعات التى تعكس روح الكراهية العنصرية والدينية، وعمل على مقاومة انتشار هذه الشائعات.
والواقع أن كتاب " فرق تسد" وغيره من المطبوعات التى أصدرها مكتب الحقائق والأرقام الذى لم يطل بقاؤه لم تكن سوى أسلحة ضد الشائعات، وقد خصص مكتب الاستعلامات الحربية الأمريكية أحد أقسامه لليسطرة على الشائعة.
إن فلسفة هذا المكتب كانت تختلف شيئا ما عن "عيادات فحص الشائعات" الخاصة، فقد ركزت العيادات جهودها على تفنيد القصص الكاذبة بينما وضع مكتب الاستعلامات الحربية الأمريكية ثقته فى النظرية القائلة بأن "الشائعة تنتشر عند وجود أنباء"، وركز جهوده حول تحسين نوع الأنباء المذاعة وزيادة ثقة الناس بها.
وعلى الرغم من أن مكتب الاستعلامات الأمريكى أعرب عن شكوكه فى حكمة تكرار الشائعات من أجل تفنيدها، فقد امتنع عن التدخل فى إدارة عيادات فحص الشائعات فى الصحف الشعبية، ومن رأى العلامة لودن Loudon أن الاتصالات اليومية المنتظمة هى السبيل الوحيد للرد على الشائعات المغرضة.
وقد تزايدت أهمية رجل الدعاية كمستشار فنى يقوم باطلاع رجل السياسة على هذه المشاعر فأصبح له الحق فى أن يقول رأيه فى السياسة التى يحتمل أن ترضى الشعوب، وهكذا أصبح رجل الدعاية بالتدريج مستشارا سياسيا.
سابعا : الحرب النفسيةSyke War
يمكن إدراك حقيقة الحرب النفسية بكل بساطة إذا فهمت على إنها تطبيق للدعاية فى تحقيق أهداف الحرب على نحو التعريف التالى :
"تتضمن الحرب النفسية استخدام الدعاية ضد العدو بالإضافة إلى استعمال وسائل أخرى لها طابع النشاط الحربى أو الاقتصادى أو السياسى على النحو الذى يكون مكملا لنشاط الدعاية".
وإذا أخدنا بهذا التعريف وجدنا الحرب النفسية لونا من النشاط الدعائى الذى استجد فى الحرب العالمية الثانية.
وعلى هذا الأساس أيضا نشأ نظام وحدة الحرب النفسية فى كل ميدان من ميادين الحرب، وقد اعتنق رجال الحرب الأمريكين نظريات الحرب النفسية.
ومع ذلك، فهذا استعمال واحد من بين استعمالات الحرب النفسية، وهناك بصفة خاصة معنى آخر استخدمت فيه هذه العبارات استخداما سيئا لإبان الغزو الألمانى لأوروبا وأقصد به الحرب المشتعلة على أساس سيكولوجى.
ويعرف الأمريكيون كلمة الحرب النفسية، بأن سلسلة الجهود المكملة للعلميات الحربية العادية عن طريق استخدام وسائل الاتصال التى يستخدمها النازيون، أى أنها تصميم وتنفيذ الخطط الاستراتيجية الحربية والسياسية على أسس نفسية مدروسة، ومن وجهه نظر الأمريكيين تضمنت العبارة تغييرا تناول الأساليب الحربية التقليدية عن طريق استخدام سلاح جديد وتطبيقه على نطاق واسع..
أما وجهة نظر الألمان فقد تضمنت هذه الكلمة تغييرا طرأ على عمليه الحرب نفسها، كذلك سميت "حرب الأعصاب" وهناك باحث صحفى ابتدأ نشاطه فى استقصاء ما يعرف (بالطابور الخامس) الذى كان يعمل لحساب المحور فى الشرق ثم صار فيما بعد عضوا فى الهيئة التى كانت تضع الخطط للحرب النفسية للبحرية الأمريكية، وقد ألف هذا الرجل كتابا أسماه السيكولوجية الألمانية، ذكر فيه أنه بمجرد أن انقشعت حالة الذعر من الغزو الألمانى اكتشف أن التجديد فى النشاط الحربى الألمانى بدأ فى ميدانين هامين :
الأول : التوحيد التام أو شبه التام بين المجهودات الحربية ونشاط السياسة والدعاية والهدم.
الثانى : ما أسفرت عنه بحوث علم النفس الحديث من نتائج يمكن أن تستخدم فى تحقيق الأهداف الحربية.
والواقع أن الألمان قاموا بالخطوات الأولى فى هذا المضمار قبل "الحرب" وفى المراحل الأولى منها، وإذا كانت الأسلحة النفسية تشتمل على قدرة أقوى من المدافع –كما يقولون– فإن استعمالها صعب إلى حد بعيد، ولا يمكن استعمال مفتاح العوامل النفسية إلا بكثير من المهارة.
ومن أفظع الأخطاء النفسية التى اقترفها الألمان اعتقادهم بأن جميع الناس يخضعون لعوامل واحدة، ولقد كان هذا خطأ فاحشا بالفعل لأن النظريات العلمية الحديثة تبين أنه لا يمكن إخضاع جميع الناس لعوامل واحدة، لذلك نجد النظرية الماركسية تؤمن بالمادية بينما نجد النظرية الديمقراطية تؤمن بالفكر الإنسانى، وفى الغزو الألمانى لأوروبا اهتم قادة الألمان بتحليل الرأى العام ولكن ظهر فى آخر الأمر أن الكثير من هذا التحليل كان يستند إلى التخمين.
ولقد خيل إلى الناس فى ذلك الوقت أن النازيين ربما عثروا على نظرية علمية تحدد بالضبط وقت استسلام العدو.
هذا وتحاول الحرب النفسية كسب الحرب بدون استعمال وسائل العنف، والذى حدث فى بعض عصور التاريخ هو أن الحرب النفسية اعتبرت ضربا من الأساليب التى لا تتفق والرجولة والشجاعة، فمن الطبيعى للرجل المحارب أن يعتمد على الأسلحة لا على الكلام، وفى نهاية الحرب العالمية الأولى نظروا لهذه الوسيلة –وهى الدعاية– نظرة تقدير من المجتمع، ومع ذلك فقد تمخضت الحرب العالمية الثانية عن عدد من ضباط الجيش والبحرية كانوا ينشطون فى نطاق الحرب النفسية كما أن جزءا كبيرا من النشاط قام به العسكريون بلا أدنى مساعدة من جانب المدنيين.
ويمكن تقسيم هذه الدعاية إلى قسمين :
الدعاية الاستراتيجية : وتوجه ضد قوات العدو والشعوب المعادية والمناطق التى يحتلها العدو بأكملها وهى بالإضافة إلى الخطط الحربية الموضوعة تستهدف تحقيق أغراض موضوعية مدروسة فى فترات قد تمتد إلى أسابيع أو أشهر أو سنوات.
الدعاية التكتيكية : وهى تتعلق بالخطط فتوجه إلى عدد معين من المستمعين المحدودى العدد فى الغالب وهى موضوعة تدعيما لتعليمات حربية محلية.
ويوجد تقسيم ثالث للدعاية على أسس أخرى تعتمد على العلاقة بين نشاط الدعاية والدعاية المضادة التى يقوم بها العدو، وهذا هو ما نسميه دعاية دفاعية وأخرى هجومية.
فقبل قيام الحرب العالمية الثانية ظهرت أهمية خاصة للتمييز بينهما ولكن التجارب التى حدثت فى كل الجبهات الحربية أثبتت أن القيمة الحقيقية مرتبطة بالحوادث التى تحدث أو لا تحدث فى كل يوم، والواقع أن الدعاية شديدة الاتصال بالموقف من حيث ما يكتنفه من أخبار واراء، لذلك لا تحتمل تحليلا دقيقا قبل بناء العلميات الحربية.
فوضع الخطط التفصيلية ينتهى بوجودها فى الملفات ولذا كان التمييز بين دعاية هجومية وأخرى دفاعية يتضاءل أمام الاعتبارات العملية ومع ذلك فيمكن بيان الفارق بين النوعين إذا توخينا الدقة فى التعريف :
الدعاية الدفاعية : الاحتفاظ بنوع من النشاط الاجتماعى أو العام متفق عليه ومعمول به، ومن هذا القبيل الدعاية السوفيتية لمشروع السنوات الخمس.
الدعاية الهجومية : وتستهدف وقف أى نشاط اجتماعى لا يرغب فيه القائم بالدعاية أو التوجية وتحويله إلى نشاط جديد يرغب فيه، وفى تحقيقه إما عن طريق وسائل ثورية (فى نفس المجتمع) أو عن طريق وسائل دولية دبلوماسية أو حربية (بين مجتمعات مختلفة).
وثمة تفرقة أخرى بين ألوان الدعاية يردها إلى الهدف القائم فى أذهان رجال الدعاية أو طابعها بالنسبة لهولاء الذين يقومون بهذه الدعاية، وهذه الفروق مثل قولنا هجوم دفاعى فهى هنا تصدق من الوجهة النظرية لا من الوجهة العملية، لانها لم تحدث عمليا، ولو أن الكثير من موضوعات الدعاية المضطربة أشارت إليها.
وأقرب مثل لهذه الدعاية هو مسألة فلسطين واتباع الدعاية الهجومية فإن السبيل إلى المحافظة على الكيان العربى هو بعث اليأس فى قلوب الصهيونيين من إمكان السيطرة على هذا الكيان، وتعميق ذلك اليأس وتمكينه، والسبيل، ولا سبيل غيره، هو قوة الكيان العربى، وقوته فى وحدته.
الدعاية الانقسامية : ويقصد بها الدعاية التى تحدث انقساما فى جماعات العدو، أو تحدث تصدعا فى جبهة معينة فى الجيش تعتبر وحدة قائمة بذاتها (مثل الحملة التى قام بها الحلفاء حين أوعزوا إلى الجنود الكاثوليك فى ألمانيا بأن يثوروا على القومية الألمانية).
دعاية التركيز : يقصد بها تفنيد جانب من دعاية العدو فى موضوع معين (كالاتهامات التى يوجهها اليابانيون للفظائع الأمريكية ردا على مثيلاتها من الاتهامات الأمريكية) وأقرب مثل للدعاية المعارضة هو ما كتبه جون بيتر فى كتابه "الصحافة فى أمريكا" وأثر الرقابة الصهيونية عليها : "إن الكارثة الجديدة التى تهدد حرية القول هى كارثة وطنية تطعننا فى الصميم.. إن الرقابة الخاصة تكبل أيدينا بأغلال حديدية وتأتى فى صورة جماعة من المعلنين الذين يدفعون بسخاء.. إن الإعلان هنا تقوم به وكالات قوية متخصصة تتمتع بسلطات واسعة وتملى إرادتها على الصحف".
ثامنا : الحرب السياسية :
معنى الاصطلاح : يقال عن مرحلة المخابرات التى تستخدم فيها المعلومات استخداما هجوميا اعتدائيا بقصد تسميم الأفكار وخلق أحوال خاصة: "الحرب السرية" وقد اعتبرت الحرب السرية فى السنوات الأخيرة لونا له قيمته بين ألوان الصراع البشرى المعروف من قبل.
وتستخدم هذه المرحلة من مراحل المخابرات –على ما يقول السير روبرت بروث لوكهارت المدير العام للجنة الحرب السياسية الإنجليزية– كل وسائل سياسية تبعا لانفصالها التام عن الوسائل العسكرية، فهى عمليات المخابرات التى تستخدم الآراء للتأثير فى السياسة، انها تعمل دون ما عنف على نقيض الحرب العسكرية التى يفرض فيها المنتصر رغبته على المهزوم بالعنف أو بالتهديد باستخدام العنف.
وكلمة " الحرب السياسية" اصطلاح إنجليزى أصلا وتختلف التسميات التى تطلق على هذا العمل باختلاف البلدان، ففى ألمانيا يقال عنه "الحرب الفكرية" وذلك بقصد تأكيد حقيقة أن ميدان هذه الحرب أساسا هو الميدان الثقافى، وأنه يستهدف التأثير فى الأفكار والآراء.
وفى روسيا حيث يتأثر القائمون بالأمر بفكر كلاوز فيتز من أن كل صور الحرب إنما هى صور سياسية يسمى هذا اللون من ألوان الحرب "بالدعاية"، وفى الولايات المتحدة يقولون عنها "الحرب السيكولوجية" أو "العمليات المعنوية" أى العمليات الموجهة ضد معنويات العدو.
وفى رأينا أن التسمية الأولى تكشف عن استخدام "علم النفس" فى هذه الحرب على حين تكشف التسمية الثانية عن أن هدف هذه الحرب هو معنويات العدو.
ولو شئنا أن نتعمق فى البحث فإننا لن نجد أيا من هذه المصطلحات يعبر تماما عن الواجب أو الدور الصحيح للحرب السياسية فإن هذه المصطلحات كلها على اختلاف البلاد التى تستخدمها (والتى ذكرنا كلا منها مع الاصطلاح الذى نطقه على هذا اللون من ألوان الصراع البشرى) إنما تعنى أساسا "الدعاية" أى تعنى الجهد المنظم الذى يبذل للتأثير فى اتجاهات الناس.
ومع هذا فإن الحرب السياسية إنما هى أبعد مدى من هذا بالنظر إلى أنها تشتمل بالإضافة إلى دعاية على العمل الدبلوماسى وعلى تحركات اقتصادية، تعمل كلها معا فى تعاون منسق.
تاسعا : الحرب الدبلوماسية والحرب الاقتصادية :
وقد تستخدم الدبلوماسية مثلا لحث الأمم لكى تدخل فى أحلاف أو لكى تبقى على الحياد، كما قد تستخدم لتمزيق أحلاف معادية قائمة فعلا.
ويمكن أن تستخدم لوقف وإنهاء حروب بالمفاوضات حتى مع استمرار قيام العمليات الحربية.
وقد استخدمت الدبلوماسية فى هذه الصورة الأخيرة سنة 1945 عندما بذلت الجهود لإنهاء الحرب ضد اليابان فى الميدان الدبلوماسى لا فى الميدان العسكرى.
وفى سنة 1935 عندما أرادت بريطانيا منع إيطاليا من مهاجمة الحبشة استخدمت النفوذ الدبلوماسى عن طريق عصبة الأمم كما طبقت بعض ألوان الضغط الاقتصادى بوساطة التجارة العالمية، وتحدد الولايات المتحددة فى الوقت الحاضر التجارة مع الدول الشيوعية بينما تقدم المنح والمعونات الاقتصادية بسخاء للدول الصديقة لها، التى تحالفها.
ومع هذا فإن كلا من الحرب الدبلوماسية والحرب الاقتصادية تعتبر وسيلة منفصلة تماما عن الأخرى وتقوم بتنفيذ كل منها هيئة خاصة مثل السلك الدبلوماسى بالنسبة للأولى والهيئات الاقتصادية الأخرى الخاصة بالنسبة للثانية، وتعمل هذه الهيئات بحيث يمكن أن تؤثر فى عدد كبير من الناس ولكنها لا تتصل اتصالا مباشرا بهم.. بل ان الدبلوماسية خاصة توجه فى الحدود التى تعمل فيها وغالبا ما يكون عملها فى هذه الحرب فى صورة غير مباشرة، ودون أى اتصال مباشر مع الجماهير.
ولعل أقرب مثال للحربين الدبلوماسية والاقتصادية ضدنا هو ما تقوم به الدعاية الصهيونية فى المجالات الدبلوماسية والاقتصادية ابتغاء التآمر علينا وإلحاق الضرر بنا.
عاشرا : الدعاية الدينية والدنيوية :
يجب علينا أن نميز بين الدعاية الروحية التى تدعو إلى الإيمان الدينى، والدعاية الدنيوية التى تستهدف اتجاهات سياسية، ولقد كانت الدعاية الروحية ألة قوية استخدمتها الكنيسة الرومانية قبل أن تستخدمها الأمم لأغراضها الخاصة أجيالا طوالا.
وصلاة القداس التى دعا إليها البابا أوربان الثانى فى كليمزنت من أعمال فرنسا فى سنة 1095 لنصرة أول حملة صليبية كانت عملا بارزا من أعمال الدعاية.
وفى سنة 1633 أنشا البابا جريجورى الخامس عشر ما يمكن أن يعد أول هيئة للدعاية بقصد نشر الكثلكة (المعتقد الكاثوليكى).
وهكذا يتضح أن الدعاية الدينية تستخدم إما لنشر الأديان أو أنها تستخدم كوسيلة سياسية ضد عدم إيمان دولة أخرى بالأديان السماوية بل إننا نجد فى كثير من الأحيان استخدام اللغة كعائل قومى وكأسلوب فى الدعاية وان تكن نظرية "ارتباط القومية باللغة" قد أثارت رد فعل قوى فى المحافل الفرنسية، الفكرية والسياسية، لأنها كانت تخالف مطامع فرنسا وتعرض مصالحها للأخطار.
الدعاية الدنيوية وأمثلة من الدعاية للحرب :
وقد أصبحت الدعاية الدنيوية عملا منظما تقوم به الأمم فى السنوات الأخيرة فقط ولكن ما من شك فى أنه قديمة قدم الإنسان نفسه وقد بدأت فى طابع بدائى تبعا لطاقة الإنسان وقدرته على نشر ارائه وأفكاره وقد استخدمها "جدعون" عندما نجح فى ايهام أهل "مدين" بأن جيشه –الذى كان يتكون فقط من ثلاثمائة مقاتل– أقوى من جيشهم الكبير العدد، واستخدمها "وانج منج" فى الصين كما استخدمها تيمو ستوكليس الأثينى (نسبة إلى أثينا) ويصف هيرودوت المؤرخ استخدام تيمو ستوكليس للدعاية استخداما ناجحا بقوله :
"وبعد أن تخير تيموستوكليس أقوى سفن أهل أثنيا أبحر منها إلى حيث توجد مياه تصلح للشرب ثم حفر على الصخور بضعة أسطر وعاد لتوه، فلما جاء سكان الجزر من الأيونيين قرأوا هذه السطور التى جاء فيها :
"يا أهل أيونيا... انكم تخطئون ضد أبائكم فى معاونتكم العدو لإذلال بلاد اليونان... لهذا انضموا إلينا فإن لم تستطيعوا هذا عودوا بقواتكم واطلبوا من أهل كاريا أن يفعلوا هذا أيضا، فإن لم تستطيعوا لا هذا ولا ذاك وكنتم فى حاجة للبقاء فى صفوف العدو فتمارضوا عندما تبدأ المعركة ويشتد القتال وتذكروا دائما أنكم من نسلنا وأن أعداء المتبربرين لنا إنما بدأ أصلا منكم وبسببكم".